لاحظ الأديب البريطاني الشهير برناردشو انه كلما تواجد في أحد الأماكن التي تعج بالنبلاء والسادة، كان ذلك الشاب يملأ المكان حركة، محاولاً الاقتراب من الأديب قدر الإمكان وذات مساء استوقفه سائلاً: عما تبحث يا بني وانت لاتزال في بدايات الطريق؟ فأجابه الشاب: عن المكانة وعلو المنزلة، وانت يا سيدي عما تبحث؟ فأجابه برناردشو ببساطة: عن المال يا بني، عن المال، فكل يبحث عما يحتاجه ويفتقده! هذه حقيقة كل بحث، وكل لهاث انساني في هذه الحياة، البعض يبحث عن المال، وآخرون عن المكانة والشهرة، وهناك من يبحث عن النفوذ والسلطة، وهناك اناس يدفعهم حب الجمال والشعور الدائم بحاجتهم اليه، لأن يغامروا ويبذلوا ما عندهم لأجل الارتواء منه، وكلما كنت جميلاً متألقاً تشع بفيوضات هذا الجمال، كلما كان اقبالك على الحياة أجمل، وتجمل العالم من حولك، برغم ندرة الجمال دائماً. «كن جميلاً تر الوجود جميلاً» هكذا قال الشاعر ايليا ابي ماضي، والجمال ليس جمال الملامح وتقاطيع الجسد الخارجي فقط، انه جمال سابغ متكامل، يبدأ من روحك وعقلك وجسدك، ليعم حياتك، وتفاصيل المكان الذي تعيش فيه، انه جمال الفكرة التي تملؤك، جمال الخير الذي يمنحك الرضا ويحيطك بالهدوء والصفاء، وكأن يد الله تأخذك الى رحاب الكون، فاتحة لك منابع الجمال والحكمة.. فالجمال هو كل الحكمة. ذلك الجمال الذي يجعلك مندفعاً دائماً لأن تتعامل مع تفاصيل واقعك ومحيطك بشفافية خالصة، وبحس انساني يحترم الحياة ويقدسها، ويرتبط بعلاقة حب مع كل الاشياء صغيرها وكبيرها، حتى تلك النبتة الغضة الصغيرة الخارجة بين مفاصل الصخور واحجار الطريق! ما علينا سوى ان نوقظ مخزون الذاكرة التي امتلأت بتفاصيل الجمال منذ عهد الطفولة، وان ندفع بضجيج الحياة حاراً الى عمق القلب وعمق الحياة، علينا ألا ننسى، لان عادة نسيان الجمال هي بداية الطريق لضلالة الروح وعماء القلب، هذا القلب الذي بدون هذا الجمال يبقى مصلوباً كل العمر على بوابات القسوة ورياح السموم! لقد فوجئت بذلك الذي تذكر فجأة عندما رفع رأسه للسماء فقال: تخيلي مازالت السماء تضج بالنجوم! ساعتها أيقنت بأن هذا الاكتشاف هو اضاءة صغيرة برقت فجأة من قاع ذاكرة الطفولة، عندما كان محدثي يستلقي في فناء منزله الغافي بطمأنينة بجوار البحر، مفترشاً الحصيرة والرمال، ومحاطاً بوالدته واخوته، يستمع الى احدى حكايات جدته التي تمعن في استخراج أسرار اساطيرها كل مساء جاعلة ذلك الصبي يطير الى عوالم النجوم بخفة عصفور صغير! من عجب ان الناس ما عادت تشتعل بوهج مملكة النجوم، نسي الناس ـ بعض الناس ـ ان السماء مازالت مليئة بها، وان القمر مازال يغازل الشبابيك وموج البحر، وينافس العشاق على حبيباتهم، ويعمل تأثيره في ارواحنا واجسادنا وأمزجتنا، نحن لم نعد نرفع أعيننا للسماء لنلاحق مشاكساته مع النجوم، لقد أدمنا التحديق في وجوه النساء والرجال، وفي العمارات ويافطات النيون، ولون الاسمنت ودخان السجائر وعدد المحلات الجديدة.. ما عدنا نفتح نوافذنا في الليل للقمر المسافر في بحر السماء وما عدنا نفتح نوافذنا في الصباح للعصافير الناقرة على زجاجنا بلا فائدة، اصبحنا نشتكي (ازعاج) العصافير، ونأنس (لموسيقى) هدير السيارات والطائرات والتلفزيونات.. ومع ذلك فمازال الجمال عابقاً ومازلنا بحاجة لأن نمتلئ به حتى نحسن العيش بشكل افضل، والتمتع بالحياة على قدر ما في هذه الحياة من مباهج لا يبيحها لنا سوى امتلاكنا بالجمال. aishasultan@hotmail.com