اجمع العرب على ان الحوار او المحاورة فعل تقوم به اطراف متعددة أو على الاقل اكثر من طرف واحد. ويعني هذا فيما يعني او ربما اول ما يعني، الاقرار بوجود طرف آخر غير الطرف المتكلم لوحده او الخطيب الاوحد الذي يملي او يحاضر ويذهب دون ان تعنيه نتائج اقواله. ثم ان تكون محاوراً لا خطيبا فقط، يعني بالذات ان من واجبك ان تستمع لآخر سيأتي من بعدك ليدلو بدلوه في نفس الموضوع الذي تحدثت به، ليطرق ابواباً اخرى لم تطرقها او يتحدث عن ابعاد اخرى لم تكتشفها. ان هذا الانتظار او التوقع وما يصحبه من ضرورة تعلم فضيلة الاستماع، يعني بالضرورة الاعتراف والاقرار بوجود رأي آخر او قول مختلف يتمايز عن رأيك وقولك وقد يمتاز عليه ايضا. في الاسبوع الماضي تطرقنا الى مقولة الحوار كضرورة «كونية» تندرج في سياقات تربيتنا وتعليمنا القرآني وشريعتنا الاسلامية السمحاء. اما اليوم فإننا نريد كشف جانب آخر من جوانب اهمية الحوار وضرورته، لاسيما بين ابناء الهوية الواحدة أو الدين الواحد، او الثقافة او الحضارة المشتركة. الخلاف والاختلاف وبداية نقول ان اجماع العرب يقول بأن الاختلاف بالرأي وحتى بالممارسة والعمل، لا يعني بالضرورة حصول التضاد ووقوعه، فاذا كان صحيحا بأن كل ضدين مختلفان فإن الصحيح ايضا ان كل مختلفين ليس بالضرورة ضدين ابداً. نقول هذا حتى لا يتخوف احد من تداعيات الاختلاف او اخطاره، واحتمالات ان يفضي الى فتح ابواب الخلاف على مصاريعها واذكاء الاختلافات وتأجيجها لتؤدي بالامة الى الفتن والعياذ بالله. وعودة الى الحوار واهميته بل وضرورته بين ابناء الهوية والثقافة الواحدة فضلا عن اهميته مع الآخر، فيمكن ان نوجز بعض أهم فوائده كالاتي: اولا: ان من شأنه ان يشيع في مجتمعاتنا مقولة المشاركة في صناعة القرار وصياغته بما يتلاءم وخصوصيات ثقافتنا المحلية وحضارتنا وديننا، وتفعيل هذه المشاركة بشكل نظارة جماعية دائمة على اصحاب القرار في مختلف المستويات، بشكل انسيابي سلس بعيداً عن توترات الصراعات الفئوية والحزبية على السلطة. ثانيا: ان من شأنه ان ينزع التوترات القائمة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وكذلك بين المجموعات العرقية والفرق او المجموعات المذهبية والطوائف الدينية بما يخدم مقولة الوحدة الوطنية او القومية للشعوب والامم لاسيما تلك المتكونة من اعراق واجناس مختلفة. ثالثا: ان من شأنه ان يشحذ كل ملكات الابداع والابتكار والفن في مجتمعاتنا، بما يخدم تفجير طاقات الشباب والمرأة والطفل وكل الطبقات الاجتماعية الامر الذي يجعل من مجتمعاتنا كيانات حية تعيش عصرها وتستمتع به وتمارس مختلف القناعات التي تؤمن بها، في فضاءات ديناميكية متحركة غير محجور عليها التحرك بسبب قساوة السياسة والسياسيين او الايديولوجيا والايديولوجيين وما تعج به عادة وتعيش فيه وتغلب عليه مجتمعات الدول التوتاليتارية بالمقابل. رابعا: ان من شأن هذا الحوار ان يعلمنا جميعا وربما هذا هو بيت القصيد في مثل هذا الموضوع فضيلة الاستماع، والاستماع ليس فقط بمعناه السلبي اي ان نسمع ما يقوله الآخر، بل ان نتجاوب معه ونحاول ان نجد له الاعذار قدر الامكان ان كان رأينا انه اخطأ في تقدير الموقف، وان نشجعه ونسنده ونعزز موقفه ان كان رأينا انه اصاب كبد الحقيقة كما يقال. ضرورات الحوار اذن الحوار او التحاور بين الرأي والرأي الآخر ليس فقط تبادل كلام بين شخصين او اكثر والصبر على تحمل سماع الآخر يخطب او يملي او يلقي او يدلي بما لديه، بل التفاعل معه من اجل تكامل الفكرة او المشروع. انها عملية تفاعلية تكاملة تنافعية بل مشروع وطني او قومي للشعوب والامم للخروج من رتابة التلقي السلبي من الآخر وتجنب مضار التكلس في الافكار والمشاريع، ودرء كافة اخطار التوترات الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافة وتداعيات كل تلك التوترات على الامن القومي للبلدان والدول والكيانات. ان تكون مع الحوار يعني ان تكون مع التنفس في الهواء الطلق وتحت اشعة الشمس المشرقة، وان تكون من دعاة الشفافية في العلاقات العامة مع الآخر فرداً وجماعة وشعباً وامة ودولاً. بينما ان تكون ضد الحوار يعني ان تكون مع خنق الانفاس والعيش في الكواليس والغرف المغلقة واجواء الظلام الليلية الدامسة، وان تكون من دعاة تسطيح الامور وقشريتها في العلاقات العامة مع الآخر فرداً كان ام جماعة والضبابية في كافة العلاقات الثنائية والمتعددة على مختلف الاصعدة والمستويات. ان تكون مع الحوار يعني ان تكون لك اليد العليا في الصواب والخطأ من آرائك. ان تكون مع الحوار يعني انك تبحث عن تكامل فكرتك ومشروعك، لا فرضه على الآخرين بأي ثمن. اما الذين يقفون ضد فكرة الحوار مع الآخر ايا يكن هذا الآخر بحجة انه تنازل عن الحق او تشكيك به او تردد في الموقف او اعطاء الانطباع بالضعف او احتمال بروز اخطار الفتنة واذكاء الاختلاف بما يفضي الى تفتت الجماعات او فتح باب التسلل للعدو فالى هؤلاء جميعا نقول: تذكروا انكم لا تملكون الحقيقة كلها ابدا، ومهما سعيتم لذلك لن تنالوا هذه الدرجة من الكمال، واذا ما افترضنا ذلك جدلاً، فإن ذلك لا يظهر ولا يتأكد ولا يتحقق اصلاً إلا بفضل الحوار وبفضل تعلم فضيلة الاستماع. وفيما يخص الخوف من اخطار الحوار فإن قولكم هذا كمن يريد منع التنفس عن الناس أو يحجب الشمس عنها بحجة اضرار الغبار في الهواء او اضرار حرقة الشمس الساطعة! بالحوار نحيا ومن دونه نموت، بالحوار نؤسس لمجتمعات حية ومن دونه ندفن المجتمعات وهي حية، بالحوار نحيي الميت من اطراف جسم مجتمعاتنا، ومن دونه نطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من حياة في جسمها. ـ كاتب ايراني