كثر التساؤل والحديث حول الهدف الثاني الذي ستوجه اليه الولايات المتحدة جهودها «العسكرية» بعد ان تضمن استقرار الاوضاع في افغانستان، على اعتبار ان هذه الاخيرة لم تكن، في نظر الاسرة الدولية، المحطة الوحيدة لتفريخ الارهاب والتطرف ونشرهما في ارجاء العالم، بل يعرف المراقبون ان هناك محطات اخرى عديدة تفرخ هاتين الآفتين الخطيرتين وتبثهما على الخريطة الدولية، ولاشك في ان النظام الحاكم في العراق يمثل الهدف الثاني المرشح لتلقي حملة عسكرية جديدة من التحالف القائم بقيادة الولايات المتحدة. وعندما نبدأ في بحث التفاصيل تتضح الامور اكثر، خاصة ان الشواهد على هذا التوجه المنتظر لا تخطئها عين المراقب، ففي بداية شهر اكتوبر الماضي، وبعد زيارة قام بها العاهل الاردني الملك عبدالله الى واشنطن، خرج تصريح من عمان يفيد بأن الرئيس الامريكي بوش الابن قد وعد العاهل الاردني بأن التحالف سيتجنب توجيه ضربة عسكرية لأي دولة عربية «وبطبيعة الحال أفاد تصريح عمان طمأنة النظام العراقي» ولكن سرعان ما صدر نفي هذا الوعد الذي تحدث عنه التصريح، وقد جاء النفي من مصدرين اولهما السفارة الاردنية في واشنطن، والآخر هو البيت الابيض. ناهيك بأن وزير الخارجية الامريكية كولن باول كان قد صرح في الاسبوع الاول من اكتوبر الماضي بأن «الرئيس بوش لا يستبعد اي دولة فيما يتعلق بالمراحل الثانية والثالثة والرابعة من حملتنا العسكرية ضد الارهاب». ولا يستطيع العقل اغفال الشواهد المتلاحقة التي تشير الى بغداد باطراد باعتبارها الهدف التالي الذي تضعه الولايات المتحدة نصب عينيها. ففي منتصف نوفمبر الجاري نقلت تقارير صحافية ان «سوريا قد جمدت عشرات الملايين من الدولارات من حسابات تخص بعض المؤسسات الحكومية العراقية، كما حذرت مصادر اردنية وغربية متطابقة من اخطار استجابة بعض دول المنطقة لرغبة العراق في زيادة وتيرة التعاون الثنائي معها». ملف ساخن لعل النقطة المركزية التي تجعل البدء بالملف العراقي امراً منطقيا هو «أسلحة الدمار الشامل» وهو ملف ساخن الى درجة ان كثيرا من المراقبين يعتقدون ان الوقت قد آن لاعادة فتحه، ويتوقعون ان هذا سوف يحدث قريبا جدا. فكل الدراسات الغربية والامريكية تؤكد ان مصدر الارهاب القادم دولية هو «اسلحة الدمار الشامل» سواء كانت بيولوجية او كيميائية. وتتصاعد الشواهد والقرائن على ان النظام العراقي يملك ترسانة كاملة من هذه الاسلحة التي اصبح العامة والخاصة ـ الآن ـ على دراية بما يمكن ان يسفر عنه استخدامها من اخطار تهدد العالم بأسره. وفي حالة رفض النظام الحاكم في بغداد الانصياع الى قرار دولي من المزمع اصداره في ديسمبر المقبل: موعد مراجعة العقوبات الدولية التي هيأ العراق نفسه لرفضها بوضع شروط عسيرة ثمنا للقبول بها، ومن ثم ففي حالة عدم فتح ابواب معامله ومستودعاته امام الرقابة الدولية وربما بقيادة امريكية وأوروبية، سيكون نظام صدام في موقف من يفتح على نفسه طاقة من اللهيب(!) وأخذا بتجارب سابقة، سوف تصر بغداد على التشبث بشروطها الصعبة، وهو الامر الذي لم يعد من الممكن قبوله الآن لدى اي طرف فاعل من اطراف المجتمع الدولي بما فيه الصين وروسيا وأوروبا، فليس هناك احد من هذه الاطراف جميعا يمكنه التنازل او حتى التواني في اتخاذ موقف ايجابي من قضية الارهاب التي وحدت الكثير من الدول في صف واحد «برغم ما بينها جميعا من خلافات تقل او تكثر» لتدين الارهاب والتطرف بكل اشكالهما، الامر الثاني ان الولايات المتحدة والغرب الاوروبي لا يمكنهما التفاوض او المساومة، أو عقد صفقات سياسية، من شأنها التخفيف من موقفهما الصلب حيال الارهاب تحديدا، وهو امر خبرا نتائجه وآثاره، بعد ان غرز نصله الحاد في اجسام مجتمعاتهما واعمل فيها التدمير والتخريب.. ولذا فالجميع يشاهد الآن ان معظم عواصم العالم، ودوائر صنع القرار فيها، متوحدة تجاه هذا الموقف. كما لم تتوحد من قبل (!). تشابه واضح مراقبة اسلحة الدمار الشامل لم تعد تقبل الارجاء أو التسويف، بل ان العالم يأخذها الآن مأخذ الجد، وقد اصبحت هذه الجدية ضرورة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وما اسفرت عنه هذه الاحداث من اضرار جسيمة على كل الصعد بدءاً من الاقتصادي والسياسي وانتهاء بالنفسي والاجتماعي (!)، فضلا عن تداعيات هذه الاحداث وظهور تهديد حقيقي بأمراض الجمرة الخبيثة في اماكن مختلفة، مما يعني امكان استخدام مثل هذه الوسائل لتهديد قطاعات واسعة من سكان هذه الارض من الابرياء، خاصة بعد الكفاءة العالية التي تميز بها منفذو هجوم سبتمبر، الامر الذي يجعل تكرار هذه الاحداث وبأسلحة واساليب اخرى شيئا واردا. ويعرف المراقبون للامور السياسية ان الرقابة الدولية ليست امراً مستحدثا، او ظاهرة جديدة، ففي ظل عنفوان الحرب الباردة، حين قدم السوفييت لمصر في عهد عبدالناصر مفاعلا نوويا تعليميا صغيرا، اندلعت ضجة كبرى في العالم الغربي اجبرت الرئيس عبدالناصر على السماح بتمكين فريق دولي من الرقابة على المفاعل. وتتكرر ذلك في اماكن اخرى وأوقات اخرى، كان اخرها بالطبع «كوريا الشمالية». ومن ناحية اخرى فإن امكان «افغنة» العراق يبدو اكثر قبولا مما كان عليه قبل الحادي عشر من سبتمبر الماضي فهناك تشابه كبير بين حالتي افغانستان والعراق يغري باعادة التجربة الافغانية مع العراق في حالة اقناع جيرانه بذلك. فقد استخدمت مقولة اطفال العراق لتبرير جزء من الهجوم السبتمبري، وهي مقولة يعرف العالم انها من صنع النظام العراقي نفسه. وانه لا ظل لها في الواقع، كما ان استمرارها قد يؤدي الى تكرار اتخاذها ذريعة مرة اخرى للقيام بأي عمل ارهابي ـ لذا فإن التخلص من اسباب هذه الذريعة اصبح ضرورة دولية ـ ومن جهة اخرى هناك معارضة تعيش على ارض حرة في الشمال العراقي ومستقلة نسبيا، وهم الاكراد في الشمال «الذين تشبه حالهم حال التحالف الشمالي في افغانستان» حيث هناك في بغداد قلة قابضة على الحكم بيد فولاذية، مستعينة بالسيف والتخويف للمواطن العراقي، وهي تروج ايديولوجيتها الخاصة بها، وترغم الاغلبية على قبولها «وهو الامر نفسه الذي كانت تمارسه «طالبان» في افغانستان، مع تفشي الشعور بعدم الامان والاستقرار في الشارع العراقي في صورة واضحة لا تخطئها العين ـ وكذلك هناك في الجنوب العراقي قوة اجتماعية وسياسية منظمة تناهض الممارسات التي ترتكبها القلة الحاكمة في بغداد «كما هو شأن بعض قبائل البشتون في جنوب افغانستان» بينما في الحالتين ـ من ناحية اخرى ـ جيران متضررون، ومهددون سواء من ممارسات بغداد غير السوية والمتجاوزة للأعراف الدولية، او من ممارسات «طالبان» التي تخاصم كل ما هو حضاري. مناخ دولي مختلف وانطلاقا من هذا التشابه الواضح بين الحالتين فإنه مثلما كان لغم الافغنة جاهزا، ينتظر الصاعق الذي تمثل في احداث 11 سبتمبر فإن الصاعق المزمع استخدامه في الحالة العراقية رهن الاعداد الآن (!). وفيما كان من الافضل للعراق الاحتماء بالاجماع العربي الذي تشكل في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد في الدوحة لرفض المساس به، في زحمة الحشد ضد الارهاب، اذا بالعراق نفسه «يتطوع» لكسر هذا الاجماع بترديد مقولاته ذات الطابع العدواني تجاه الكويت، ويعاود التصعيد ضد دول عربية، كما يؤكد من جديد عدم قبوله مساعي دولية ترمي لاقرار رقابة واضحة على اسلحة الدمار الشامل، بجانب عدم شجبه للارهاب واضعا نفسه في خانة المساند للتطرف والداعم للاعتداء، ثم يذهب ليؤسس في اسبانيا منظمة لتخليد ما وصفه بـ «العدوان!» عليه قبل عشر سنوات مضت «يقصد حرب تحرير الكويت» مستخدما مقولات تبريرية لم تعد تنطلي على احد. المتتبع لتاريخ النظام العراقي يكتشف ـ في سهولة ـ انه نظام يفتقد في ممارساته السياسية ميزة التحوط والمحاذرة، ويغفل اجراء الحسابات الدقيقة قبل ان يخطو، ومن ثم فهو يرتكب الاخطاء تلو الاخطاء، ثم يسوق التبريرات تلو التبريرات، ولذلك فإن مسلكه السياسي يهيمن عليه عدم الوعي بحقائق التاريخ، وهو امر من المنتظر ان يوقع هذا النظام في مواجهة ضارية مع الاسرة الدولية في الشهر المقبل «موعد مراجعة العقوبات»، ولكن المواجهة هذه المرة تقع في مناخ دولي ليس فيه مجال للمناورة أو التلكؤ، أو سياسة «خطوة الى الامام.. مئة خطوة الى الخلف»! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت