اسطنبول.. عدت لزيارتها بعد مضي خمس سنوات على أول زيارة لي لها، وكان أول ما سألت نفسي عنه هو ما الذي طرأ عليها من تغيير؟ وكيف بدت الحياة فيها بعد هذه المدة الزمنية؟! إن أول رحلة لي الى اسطنبول كانت في عام 1996 بمناسبة انعقاد مؤتمر المستوطنات البشرية الذي حضره ممثلو جميع دول العالم وانبثق عنه أجندة 21، وانعقد كذلك اجتماع لكبريات المدن العالمية ونتج عنه ولادة منظمة المدن العالمية Wacla. والحقيقة انني لم ألمس تغييرات جوهرية في هذه المدينة وهذا شيء طبيعي فمدينة عريقة كاسطنبول التي يصل عدد سكانها الى اكثر من عشرة ملايين نسمة لا يمكن ان تشعر فيها بتغييرات جذرية مهما بذل المسئولون فيها من الجهود، وهذا لا يعني انه لم تطرأ تعديلات على البنية الأساسية كإنشاء الطرق والجسور وهناك مشاريع تحت التنفيذ كالقطار السريع (مترو الانفاق) وكذلك مشاريع تجميلية على الواجهة البحرية ومشاريع بيئية اخرى. اسطنبول مدينة جميلة تغمرها مساحات خضراء وهي مدينة كبيرة تنقسم الى قسمين: قسم يقع في آسيا والآخر في أوروبا وكانت عاصمة قوية للمسلمين في عهد الخلافة العثمانية ومازالت متمسكة بروحها الإسلامية الشرقية رغم كل المحاولات من جانب حكامها العلمانيين او الذين ادعوا العلمانية للتخلص من ذلك، والزائر لاسطنبول يشعر بذلك من خلال تجواله في المدينة ويتمثل في مساجدها العديدة القديمة والحديثة، مع انه لفترة طويلة أقفلت هذه المساجد ولم يسمح ببناء مساجد جديدة، وكذلك معالم المدينة وآثارها الاسلامية. وعند لقائك بأهالي اسطنبول تشعر بانتمائهم الاسلامي واسلوب حياتهم وروحهم الشرقية. وفي عهد البيزنطيين كانت تسمى قسطنطينية وعندما فتحها المسلمون تغير اسمها الى اسلام بول (أرض الاسلام) او مهد الاسلام الى ان اصبحت تنطق اسطنبول، وتروى قصص كثيرة عن فتحها وكيف تم ذلك حتى وصلت الى حد الخيال، فمدينة اسطنبول كانت عاصمة الخلافة العثمانية التي كانت في مجدها وعزها وكان للاسلام صولات وجولات في عهدها ثم جاء عهد أتاتورك وانقلبت الى اتجاه آخر، اتجاه دول علمانية أوروبية وذلك عندما حاول اتاتورك تقليد الدول الغربية، فأغلقت جميع المدارس الدينية والمساجد بل حاول حكامها التنكر لانتمائهم الاسلامي. مع ذلك تمسك الشعب التركي بأصالته الاسلامية الشرقية حتى في ظل الحكومة العلمانية الدكتاتورية العسكرية لانه لم يجد ضالته في النظام الجديد رغم كل ممارسات الضغط والقهر عليهم وظلوا متمسكين بعقيدتهم ورؤيتهم الاسلامية. أما الجبهة أو الاحزاب التي يمثلها الاسلاميون فهي أقرب الى الحكم الآن من أي وقت مضى كما قال احد المسئولين وهم يتوقعون الفوز في الانتخابات المقبلة بنسبة كبيرة مع أنهم وصلوا الى الحكم عدة مرات لكنهم لم يتمكنوا من الحكم لوحدهم مما ادى الى الاطاحة بهم. والسؤال هو: لماذا يتوقعون النجاح هذه المرة؟ والأسباب عديدة كما يقولون. أولها: الوضع الاقتصادي الصعب الذي وصل الى درجة كبيرة من السوء. ثانياً: الفساد الاداري والمالي. ثالثاً: عدم نزاهة الاحزاب السياسية المختلفة التي حكمت وتحكم تركيا. رابعاً: يمكن القول ان الشعب التركي ادرك اخيراً ان الرجوع الى الدين الاسلامي والى العقيدة الاسلامية هو الذي سوف يمكنه من تحدي ومواجهة الصعوبات الاقتصادية والسياسية بعد ان جرب عدداً من الاحزاب بمختلف توجهاتها وهذا يؤكد ان الشعب التركي لم يتخل يوماً من الأيام عن معتقداته الاسلامية. وأهم ما لفت نظري هو الوضع الاقتصادي والتضخم الحاصل في البلاد فالعملة التركية في أسوأ حالتها، إذ ان ملايين الليرات التركية لا قيمة لها وبهذا المقياس فإن كل مواطن تركي مليونير بل ملياردير حتى عمال الشوارع وسائقي سيارات الأجرة!! فالعامل في المطعم يتسلم راتباً شهرياً قدره 320 مليون ليرة!!! وعندما يتسلم شخص هذا المبلغ وبهذا الرقم فهو بالطبع مليونير!! لكن في الحقيقة ماذا يساوي هذا المبلغ مقابل الدولار؟ فدولار واحد يساوي (مليون وستمئة ألف ليرة) أي أن درهما اماراتيا يساوي أربعمئة وثلاثين ألف ليرة تقريباً وعندما يتحدث المواطن التركي عن 4300 ليرة فكأنه يتحدث عن فلس واحد في دولة الامارات!! ومن هنا نستطيع ان نقول ان قيمة الورقة النقدية من فئة 100 ألف لا تساوي قيمة طباعتها ومع ذلك فالشعب التركي يتعامل مع هذه الملايين كأمر واقع وكما يقول أحد الأخوة الاتراك فان الحكومة لا تريد تغيير هذه الاصفار لأسباب قد تكون سياسية بل بالعكس هناك طبعة جديدة لورقة نقدية بقيمة عشرين مليون ليرة قد تظهر في السوق خلال هذه الأيام!!