مع أكثر من شخص كان الحديث حول هذه القضية، ولأكثر من مرة سمعت العبارة نفسها تتكرر: (ان استغلال المنصب ظاهرة متفشية في البلاد العربية اكثر من اي مكان آخر) وحينما تبدأ في مناقشة التفاصيل مع محدثيك تجد مئات الأمثلة تطرح من خلال الحديث، خاصة اذا كان هؤلاء اشخاصاً متعددي العلاقات واصحاب تعاملات ومصالح تتقاطع مع مختلف الدوائر والمؤسسات واصحاب النفوذ، او اذا كانوا ممن يطلق عليهم: العالمين ببواطن الامور!! لماذا نتهم الشرق او الانسان العربي تحديداً بهذه التهمة؟ وهل هي من الاساس تهمة ام آفة اجتماعية ام سلوك انساني منحرف يرتبط بالحالة السياسية والاقتصادية؟ ودون ان نبالغ نستطيع ان نؤكد على تأثير البعد التاريخي في انتشار هذه الآفة، ونعني بالبعد التاريخي ذلك التراكم عبر الزمن لنوعية المؤسسات الادارية، ونوعية القوانين التي تحكم هذه المؤسسات، والعقلية او الذهنية التي تديرها. ان قصص وقضايا الفساد المتعلقة باستغلال المنصب او الوظيفة والتي نطالعها من خلال الصحف، او بقية وسائل الاعلام، تأتي في الجانب الأكبر منها من دول العالم الثالث، حيث لا يكاد يمر اسبوع دون ان يكتشف امر (احدهم) من اولئك (المنتفخين) بسبب هذا الفساد، لكننا بعد اكتشافهم لا نسمع شيئاً عن محاكمات او اعتذارات أو... الا فيما ندر بعكس ما يحدث في دول الغرب! وحتى على المستوى المحلي، نلحظ وجود حكايات يومية عن استغلال الوظيفة، كان منها ما فجرته الصحافة، ومنها ما لم يكتشف بعد حتى الآن لأسباب عديدة، لكنه سيكتشف بالتأكيد طالما هناك عيون تراقب ورجال حريصون على هذا المجتمع يقفون لهؤلاء الفاسدين بالمرصاد! ولن نستفيض في شرح جوانب الفساد الاداري واشكاله، فيما يتعلق باستغلال الوظيفة او المنصب، لأنها معروفة ومعلومة للجميع، وكثير من الموظفين البسطاء او الجمهور على استعداد لأن يقصوا عليك آلاف القصص حول ما علموه عن هذه الظاهرة، وما شاهدوه، وما تعرضوا له من مساومات، وضغوط يمارسها (البعض) من اجل تمرير معاملات او خدمات معينة مقابل (أتعاب) مادية يسميها هو (أتعاب) ويسميها القانون بصراحة رشوة!! السؤال المهم في كل القضية هو: ما الذي يؤدي الى تفشي وانتشار هذه الظاهرة، ومن ثم من الذي يقود الى التغاضي عنها وترك اصحابها يسرحون في المؤسسات بكل فسادهم دون رادع؟ هل لعدم وجود أدلة دامغة قانونية تدينهم؟ ام ان ذلك عائد لضعف وهشاشة القوانين الرادعة؟ ام ربما كان السبب راجعاً لمنظومة علاقات اجتماعية خارج المؤسسة وداخلها هي التي جاءت بهؤلاء الى وظائفهم، ومن ثم تستمر في حمايتهم حتى النهاية! استغلال الوظيفة، عنوان سيئ جداً لظاهرة تنخر في جسد المجتمع وتعمل على اضعافه والمساس بحقوق أفراده، وبالتالي ضعف مصداقية الأداء العام لأجهزته الادارية، وعليه فإن كشف الفساد وتتبعه وملاحقة افراده بحسم وحزم والتحقيق العلني مع المتورطين فيه، وخاصة فيما يتعلق بقضايا استغلال المنصب، لا شك سيقود الى نتائج في صالح المجتمع ومسيرته، وحفظ حقوق الناس فيه. aishasultan@hotmail.com