من الممكن للمؤرخين في القرن المقبل ان يلتفتوا للوراء ليقولوا حقا وصدقا ان ضرب البرجين ومبنى البنتاجون في الولايات المتحدة بطائرات مدنية مختطفة، كان اضخم حادثة في القرن الحادي والعشرين، لكن هل من المعقول بعد 99 سنة من الآن ان تظل الجهة المسئولة عن هذه الحادثة الصاعقة مجهولة؟ اذا بقيت مجريات التحري الذي تقوم به اجهزة التحقيق الامريكية على حالها الراهن من الغموض الكامل، فان اسرار الحادثة قد تطمر فتبقى مجهولة لعقود زمنية على الاقل. فبعد اكثر من شهرين ونصف الشهر من تلك «القيامة» الدنيوية التي انفجرت في يوم الثلاثاء 11 سبتمبر عام 2001 في نيويورك وواشنطن .. وبعد اكثر من شهر ونصف الشهر من حرب اشعلتها الولايات المتحدة باسم معاقبة مدبري هذه الحادثة الارهابية، لم يتوصل المحققون الامريكيون بعد الى نتيجة نهائية رغم اعتقال 1147 عربيا ومسلما وانتشار سبعة آلاف عميل تابعين لمكتب التحقيقات الفيدرالي داخل الاراضي الامريكية وحول العالم. ام انهم اكتشفوا في مرحلة ما ان مسار التحقيق يقودهم في اتجاه غير مرغوب فيه بانطباق الادلة الدامغة على جهة غير عربية وغير اسلامية؟ لقد كان اعلان شن الحرب الامريكية، وعملية التحقيق مازالت متصلة، بمثابة محاكمة امريكية لقادة «القاعدة» ومن ورائهم قادة طالبان، واصدار ادانة وتوقيع عقوبة في آن معا .. كل هذا خارج اطار القانون والقضاء .. فقد كانت محاكمة سياسية واعلامية ألبست رداء العدالة القضائية انطلاقا من موقف مسبق. لكن ماذا لو انتهت خيوط التحقيق بعد كل هذا الى ادانة ميليشيا محلية امريكية من بين ميليشيات «اليمين المسيحي المتطرف»؟ اين يدفن جورج بوش ودونالد رامسفيلد وجهيهما؟ ولا نذهب بعيدا. لقد نشرت «واشنظن بوست» تقريرا اخباريا روت فيه ان مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية الامريكية «يعتقدان ان متطرفين في الولايات المتحدة وليس اتباع بن لادن هم الذين يقفون وراء هجمات الرسائل الملوثة ببكتيريا الجمرة الخبيثة». فلماذا لا ينطبق ذلك ايضا على حادثة «الثلاثاء الاسود»؟ دون مقدمات فاجأ الرئيس بوش الامريكيين والعالم بقرار يقضي عمليا بتهميش الجهاز القضائي الامريكي، من اجل تقديم الاجانب المتهمين بالارهاب الى محاكم عسكرية تخضع لوزير الدفاع، لايجوز حسب القرار، الطعن في احكامها «امام اي هيئة اخرى داخل البلاد او خارجها». توقيت هذا القرار الغريب لا يقل اهمية عن مضمونه فقد اصدر عقب ذلك الاختراق العسكري الذي حققته المعارضة الافغانية في مسرح القتال ضد قوات طالبان بمساعدة القصف الجوى الامريكي. وفق حساباتها العسكرية المنطلقة من نشوة الانتصار المرحلي، رأت الادارة الامريكية انها اقتربت من هدف القبض على بن لادن ومساعديه من كبار قادة تنظيم «القاعدة». لكنها في الوقت نفسه ادركت انها سوف تواجه حرجا قانونيا، فكيف يقدم مكتب التحقيقات الفيدرالي قادة «القاعدة» الى محاكم القضاء المدني، ليواجه اسئلة هيئة القضاة ومحامي الدفاع دون ان يقدم الى المحكمة نتائج عمليات التحقيق التي تجرى منذ 11 سبتمبر . ان التعتيم الشديد المضروب على مسار التحقيقات لا يحمل اكثر من ثلاثة تفسيرات كلها من غير صالح الادارة الامريكية في نهاية المطاف. فاما ان التحقيق وصل الى طريق مسدود، او انه لم يتوصل الا الى ادلة متهافتة او ناقصة لن تصمد في معركة قانونية داخل محكمة، او انه توصل الى ادلة تدين جهة اخرى غير القاعدة .. منظمة امريكية ما مثلا. من اجل هذا، ولمواجهة هذه الاحتمالات، نفهم لماذا قرر الرئيس الامريكي تجاوز الجهاز القضائي نهائيا بتقديم المتهمين بالارهاب الى محاكم عسكرية مشروطة بسرية التداول ومحدودية الدفاع عن النفس وعدم القابلية لاستئناف الحكم. ومما يجذب الانتباه بصورة خاصة ان قرار الرئيس يسمى تنظيم «القاعدة» وقادتها واعضاءها بالاسم!