اواصل نقل خلاصة الحوار المتعمق الرصين الهاديء بين العلامة الشيخ يوسف والصديق المستشرق جيل كيبيل، وأرى مع الزمن ان هذه الزلازل الخطيرة التي تهز العالم الاسلامي ـ والعالم بأسره ـ والتي تغير خارطة التوازنات القديمة القائمة، انما تعطي هذا الحوار ابعاداً اخرى وتحله منزلة التأمل الثنائي الخبير بأحداث ما بعد 11 سبتمبر، وتجعله ربما مادة لانطلاق عمليات فكرية ضرورية في الجامعات ومراكز البحوث حول الحوار بين الاسلام والغرب وبين الثقافات والحضارات. يجيب فضيلة الشيخ على ملاحظة المستشرق حول تكفير المسيحي لدى بعض فئات الاسلاميين فيقول: «انا أؤمن بأن الاسلام هو الدين الخاتم، لكني اعتقد ان المسيحي يشترك معي في الايمان وانا وهو نتعاون كمؤمنين ضد الكفار أي الملاحدة الماديين الذين يقودون الانسانية لهاوية الضياع والشرك والانحطاط. وانا لا انعت المسيحي بنعت الكفر، بل اسميه غير المسلم وعلى هذا الاساس قبلت الدعوة الموجهة الي من جمعية مسيحية ايطالية «سانت اديجيو» للحوار بين الدين الاسلامي والدين المسيحي بعد احداث 11 سبتمبر، وكان اللقاء في حد ذاته مثمراً ونافعاً لاننا توفقنا الى وضع ايدي الناس هناك على مباديء الاسلام الحقيقية وقيمه الخالدة، ثم انظر الى القرآن المجيد، ففي سورة «الكافرون» مثلاً نجد تأكيداً على التعلق بالاسلام دون اي دين آخر. «قل يا أيها الكافرون(1)، لا اعبد ما تعبدون(2) ولا انتم عابدون ما اعبد(3) ولا انا عابد ما عبدتم(4) ولا انتم عابدون ما أعبد(5) لكم دينكم ولي دين(6)». نلاحظ اصرارا على الاسلام ورفضا للكفر عبّر عنه النص القرآني المجيد بشتى فنون الاصرار، لكن لاحظ الآية الاخيرة رقم (6) ما اروع التسامح والجدل بالتي هي احسن يقول الحق تعالى للكافرين بلسان نبيه الخاتم: «لكم دينكم ولي دين». حق الجهاد وهنا عاد المستشرق الى عرض بعض فتاوى الشيخ القرضاوي بشأن الجهاد، والصديق كيبيل كتب كتابه الاخير بعنوان «الجهاد: انتشار وانحسار الاسلامي السياسي» صدر عن دار نشر جاليمار سنة 2000، فسأل الشيخ عن الجهاد وعن فتاوي فضيلته واجاب العلامة: «ان الجهاد نوعان جهاد دفع وهو فرض عين على كل مسلم، وجهاد طلب وهو فرض كفاية، وجهاد الدفع هو جهاد من احتلت ارضه واستعمر وطنه واخرج من دياره بغير حق، وهو الجهاد القائم في فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني لارض يسكنها شعب مسلم ـ وجزء منه مسيحي ـ منذ مئات السنين. فالجهاد هنا هو حق لم يعترف به الاسلام فحسب بل حتى القانون الدولي من خلال بنود ميثاق منظمة الامم المتحدة وميثاق حقوق الانسان. لكل شعب الحق في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة له، ولذلك نحن نندد بتصنيف منظمات المقاومة الفلسطينية ضمن الارهاب من منظور امريكي، اي في الحقيقة من منظور اسرائيلي، ونفس جهاد الدفع نجده في جنوب لبنان لدى حزب الله وكل مقاوم لبناني ما دام شبر واحد محتل من مزارع شبعا لم يحرر، وكذلك نجد نفس الجهاد في هضبة الجولان السورية المحتلة عام 1967 وفي كشمير وفي الشيشان حيث توجد شعوب لا يمكنها المحتل من حق تقرير مصيرها كسائر شعوب الارض. هذا الجهاد هو المشروع والذي نطالب الامة بتأييده. اما جهاد الطلب اي انك تطلبه خارج وطنك داعيا للاسلام فكان يؤديه المسلمون لان الحدود كانت قائمة بين البلدان، والمجاهد الطالب للجهاد يريد اختراق هذه الحدود لبث الدعوة، اما اليوم ومع العولمة فالحدود بين البلدان لم تعد عائقا ولم تعد موجودة بفضل ثورة الاتصال. ولهذا السبب لم يعد لجهاد الطلب نفس المعنى فبإمكان المسلمين الاتصال بكل الامم وبكل الثقافات للدعوة لكلمة الله من خلال القنوات الالكترونية المتاحة من شبكة انترنت وفضائيات وغيرها. احداث وتداعيات وبعد ذلك تطرق المستشرق الى تقييم تداعيات احداث 11 سبتمبر فأجاب فضيلة الشيخ قائلا: «نحن اليوم بإزاء حرب دامية يذهب ضحيتها ابرياء، ولكني اقول رٌب ضارة نافعة وكم من محنة في طيها منحة، لقد سمعنا ان الغربيين في امريكا وفي اوروبا اصبحوا يقرأون الكتب عن الاسلام وتاريخه وتعاليمه، فلعل هناك بعض الخير لصالح الحوار بيننا وبين المسيحية والغرب حين يدركون انهم يجهلون الاسلام وانهم بحاجة الى معرفته الصحيحة. لقد التقيت في روما بعدد من كبار الكرادلة وحضرت في القاهرة ندوة لحوار الحضارات ونحن نؤمن بحوار الحضارات لا بصراعها، بل نؤمن بتكاملها من اجل خير الانسانية قاطبة، حين نأخذ من حضارة الغرب، ومن حضارة الصين مثلا افضل ما لديهما ونعطيهما افضل ما لدينا. ثم تذكر المستشرق احدى فتاوى الشيخ القرضاوي والمتعلقة بأمرأة اسبانية مسيحية اعتنقت الاسلام بعد عشرين سنة من زواجها وانجبت اطفالا، لكن زوجها ظل على دينه المسيحي واجاز الشيخ يوسف عدم طلاقها، واتاح لها بفتواه البقاء في عصمة زوجها فربما تهديه هي للاسلام دون تحطيم اسرتها. وتذكر الشيخ هذه الفتوى فقال: لقد اثارت فتواي بعض ردود الفعل، لكني اجتهدت ووضعت القضية في محيطها الاجتماعي، فهي قضية تتعلق بحياة الأقليات المسلمة في الغرب. وهذه المرأة اهتدت لاعتناق الاسلام لكن زوجها لم يعترض على اسلامها ولم يطلقها ولم يشرح الله صدره للإسلام، فما هو الحل؟ ـ الصحيح ان زواج المرأة المسلمة من غير المسلم حرام شرعا، لكن من الاساس ومن البداية. وهذه حالة مختلفة، فالمرأة لم تتزوج وهي مسلمة بل تزوجت وهي مسيحية وزواجها قائم وبينهما ذرية ولعل المذهب السائد هو التفريق، ولكني وجدت اجتهادات اخرى لدى ابن القيم اختلفت عن المذاهب الاربعة تتيح للمرأة البقاء في عش الزوجية. وطرحت هذه القضية امام المجلس الاوروبي للافتاء والبحوث وافتيت فيها بما أراه حقا وصدقا، وكانت اغلبية اعضاء المجلس معي والحمد لله. هذه شذرات ونفحات من حوار رصين حول اليوم والغد بين عالم جليل ومستشرقة منصف، سقتها للقراء حتى يتدبروا والله من وراء القصد. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر