الشمس تميل إلى الغروب.. اقتربت ساعة الذروة في حركة المرور الصاخبة الهادرة اصلاً في مدينة نيويورك في هذه اللحظات تنشط حركة التاكسيات وتتسع ارزاق السائقين ومعظمهم جاءوا مهاجرين وشبه مهاجرين من وراء البحار. يقترب الصحفي الامريكي الشاب من عربة تاكسي واقفة إلى جوار الرصيف في شارع «هاوستون» وهو اقرب إلى شريان عريض يربط بين ضاحية الاعمال في مانهاتن وحي المال في وول ستريت واحياء التجارة التقليدية في كنال ستريت ـ شارع الكنال او القناة كما قد نسميه مفضيا في ذلك من ناحية إلى الحي الصيني تشاينا تاون الشهير ومؤديا من ناحية اخرى إلى الحي اللاتيني في نيويورك ـ قرية «جرينتش» ـ حي الفنانين والادباء والصعاليك. الصحفي الشاب يقترب من عربة التاكسي يطلب من سائقها توصيله إلى المطار. يعرف الراكب مدى الاغراء ـ الدولاري طبعاً ـ الذي يعنيه مشوار المطار.. لكن السائق يعتذر في أدب جم وهو ينظر في ساعته.. وقبل ان يبتعد الراكب الامريكي بحثا عن عربة أخرى لا تفوت حاسته الصحفية ان يرقب ما يحدث وهو ما نشره في يوم تال في اكبر الجرائد الصادرة في المدينة: اخرج السائق من كيس صغير زجاجة مياه احتسى منها قليلا. وأتبع ذلك بحبات تمر تناولها وهو يتمتم بعبارات لم يكد يسمعها احد. ثم تناول من جوف السيارة سجادة صغيرة فرشها فوق اديم الرصيف.. وشرع في اداء صلاة استغرقت منه بضع دقائق.. وقبل ان يستقل سيارته تلفت من حوله فإذا براكب المطار مازال واقفا يرقبه فبادر سائلا في لطف: ـ سير: تحب أن أوصلك؟ نشر الصحفي هذه الحكاية البسيطة وعلق عليها قائلا: ـ هكذا شاركت «محمدا» الباكستاني لحظة افطاره في أول ايام رمضان. والحق نقول ان رمضان هذا العام جاء ليشغل بال الأمريكان وخاصة في ضوء الاحداث والملابسات والتطورات التي ما برحت تحدث وتطرأ منذ سبتمبر الماضي.. بكل ما افضت اليه من حقيقة بسيطة وجوهرية ايضاً فتح الامريكان عيونهم عليها وهي: انهم مازالوا يجهلون الاسلام وانهم بحاجة إلى زاد جديد ومستنير وعميق من المعرفة حول الاسلام واهله والاسلام وتعاليمه واعرافه واسلوب حياته. وان المسألة لم تعد مجرد معرفة اكاديمية ولا ترف نظري بقدر ما اصبحت امر تفاعل وتجاوب وفهم واحاطة. حتى لا نقول اصبحت ضرورة حياة ويحسب للاخوة الامريكان في هذا المجال انهم اعترفوا بأمر هذا الجهل وبدأوا يتنادون إلى تخطيه على شتى المستويات. وبعيدا عن امور السياسة ـ قاتلها الله ـ فقد استرعى الاهتمام مثلا ان يقام لاول مرة حفل افطار رمضاني في البيت الابيض يدعو اليه الرئيس الامريكي اكثر من 50 سفيرا معتمدا في العاصمة واشنطن يمثلون الدول الاسلامية والعربية وان يخطط وزير الخارجية بدوره لمأدبة افطار رمضانية اخرى، وان يبلغ امر الاهتمام العام بما نصفه بأنه الشأن الرمضاني الحد الذي يدفع واحدا من كبار المشتغلين بالقانون في الولايات المتحدة ان ينشر في احدث اعداد نيويورك تايمز مقالا بعنوان «رمضان الامريكاني» يؤكد فيه على أنه آن الأوان لمزيد من فهم عالم الاسلام والمسلمين. هكذا احسسنا ان رمضان هذا العام جاء ليتسم في امريكا بطابع جديد. لا نقصد بالطبع تعدد موائد الرحمن التي كان من حظنا ان ندعى اليها افطارا كانت او سحورا او ما بينهما حيث تتعدد اطايب الاصناف.. وربما كانت مشكلتها ان كل مائدة منها كانت تستدعي سفرا طويلا من ولاية إلى أخرى بعد ان تناثرت عبر المقاطعات والولايات بيوت المحسنين الذين مازلنا ندعو ان تظل عمارا مفتوحة لامثالنا من الضيوف في رمضان وايضا في غير رمضان ورغم ان اقامتنا هذا العام طالت في الربوع الامريكية الا ان القوم ـ قومنا اليعاربة في هذه الربوع مازالوا يعتبروننا ضيوفا فيما لم نتورع نحن من جانبنا ان نستغل حق الضيافة وكرم الوفادة إلى اقصى حدود الاستغلال. وهكذا لبينا دعوات لمآدب باذخة. وركبنا ـ لزوم توصيل من الباب للباب ـ سيارات فارهة ونعمنا بأطباق شهية متنوعة ما بين باستيلة المغرب إلى برياني المشرق إلى ويكة السودان ونابلسية فلسطين وضولمة المصريين (من صنوف المحشي او الملفوف) وصولا إلى انواع المرقوق اليمني والتبولة اللبنانية وكبة الصينية التي يجيد سبكها اهل الشام الكرام. وربما اقنعنا النفس ـ والنفس امارة ـ بأن اليعاربة وان لم يوفقوا بعد إلى وحدة السياسة فها هم وقد حققوا وحدة المآدب التي تفضي بين براثن الغربة إلى استدعاء اجمل ما كان يحويه الوطن من ذكريات رمضان من بلاد الخليج إلى بلاد المحيط.. وكثير منها ـ بالنسبة لاجيالنا المخضرمة ـ ذكريات تعود إلى مرابع الطفولة ومدارج الصبا وملاعب الشباب. وكم يروق للمرء ـ اذ يفرغ طبعا ـ من واجبات الموائد وصلاة الجماعة.. وبعدها تنعقد جلسات سمر وتدور في افلاكها اكواب الشاي والعصير وقمر الدين.. وتنداح ذكريات من كل فج في وطن العرب.. يصغي اليها اهل الاجيال الجديدة ومنهم في المهجر الامريكي ابناء وبنات.. اصبح الوطن العربي بالنسبة لهم مجسدا في الاباء والامهات ـ وبالتحديد فيما يحكيه الاباء والامهات من ذكريات عن ذلك الوطن اليعربي القابع في طيبة وقناعة بعيدا فيما وراء البحر المحيط وقد يروع الجيل الجديد ما يسمعون عن دفء المحبة الذي كان في سابق العهود بالوطن العزيز الذي جاء منه المهاجرون.. عن ترابط العائلات اسمار رمضان وسهرات لياليه واحياء مواعيده.. ولانها عزيزة تلك الذكريات فهي تأتي صريحة متدفقة امينة مع النفس ومع التاريخ.. نعم كان اهلنا فقراء وكانت مجتمعاتنا بسيطة لم تعرف الراديو الا بعد لأي طويل.. ولم تعرف التلفاز الا في حقب متأخرة.. وبغيرهما كانت تصفو الحياة وكانت السعادة في القلب وفي التواصل الانساني غامرا ودافئا ومخلصا بين الافئدة والقلوب وكانت النفس طيبة ترضى بالقليل. انك تلمح بريق دهشة وربما لمعة اعجاب في عيون الجيل الجديد.. اول جيل من ابناء عرب المهاجر الامريكية.. جيل يعرف ان جذوره عربية وأن اهله جاءوا إلى امريكا من الوطن العربي في المشارق والمغارب، وان لهم تقاليد واعرافاً جميلة في السلوك والتحية وفي المآكل والمشارب وفي التعامل مع اصناف البشر ومجال الطبيعة وابداع الفنون (الاجماع اليعربي هنا على تراث ام كلثوم وعبدالوهاب وان كان الجيل المهجري الشاب يتصور ان هذين الفنانين ينتميان إلى زمان بعيد.. بعيد.. العصر العباسي مثلا: ناهيك ان يسمعوا دهاقنة من امثالنا وهم يقولون ان هذا الدور من نغمة الجهاركاه او ان هذا المذهب او الكوبليه مصاغ من مقام الراست او النهاوند). والشباب معذورون، لغتهم الاولى هي الانجليزية بلكنتها الامريكية المنطوقة من خنافة الانف لدرجة يعافها ساكنو انجلترا من عتاة الانجليز.. من هؤلاء الشباب من يتكلم العربية بطلاقة يحسد عليها.. وبعضهم يتردد في نطقها خشية الغلط والتشهير وبعضهم يتكلمها بلهجة اقرب إلى رطانة الخواجات واسلوب المستشرقين وبعضهم للاسف ـ لا يعرف من العربية سوى عبارات من قبيل: السلام والتحية وبابا موجود او غير موجود.. وشكرا وانا فلان او فلانة حسب مقتضى الحال.. وهي عبارات لا تصلح ـ كما لا يخفى عليك ـ سوى لتمشية الامور ونحسب ان لهذه الاجيال ذات الاصول والجذور العربية دوراً وربما ادوار لابد وان تضطلع بها في توضيح الصورة الحقيقية والموضوعية المنصفة لمعنى «عربي» ومعنى «مسلم» امام الامريكيين بعد ان طال هذه الصورة او تلك رذاذ كثير وصل إلى حد الخلط والتشويه. صحيح ان ينطبق على جمهرة الامريكان مبدأ ان الناس معذورون فيما يجهلون، لكن من واجب عرب المهجر الامريكي ان يبذلوا قصاراهم لكي تتحقق وتستقر قاعدة انه لا يصح الا الصحيح.. وان العربي المسلم والعربي غير المسلم هو انسان متحضر.. وكائن بشري محترم ينتمي إلى وطن محترم وإلى حضارة وثقافة راسخة الجذور وقادرة في الوقت نفسه على ان تساهم في اطار علمها وسياق عصرها في دفع خطى التقدم البشري إلى الامام. واذ كانت تلك في تصورنا هي مهمة الجيل الطالع البازغ الشاب في عروبة المهجر الامريكي فلا يزال يتعين على جيل الاباء والامهات ان يزود شبابهم بمعرفة الجذور الحضارية التي ينتمون اليها في مجالي العقيدة والقومية ولا بأس ان يتوسلوا في ذلك بما تيسر لهم من تراث اللغة وابداع الفن وانماط الثقافة اليعربية وربما كان في مقدمتها تلك الاطباق الفاخرة في المآدب العامرة التي مازلنا ننعم بها كضيوف ـ بعد اذنك في ليالي رمضان بين الافطار والسحور