مرة اخرى تجد القيادة الفلسطينية نفسها في موقف من يطرق باب الحكومة الاسرائيلية طالبا الحل، ومرة اخرى يجد الفلسطينيون انفسهم تحت رحمة ألاعيب رئيسها ارييل شارون ومراوغاته. واذا كان صحيحا القول ان الاعتداءات على امريكا وما تلاها من شن الحرب على حركة طالبان وتنظيم القاعدة، قد افقدت الانتفاضة الفلسطينية الكثير من بريقها، فالصحيح ايضا ان هذا البريق كان قد بدأ يخبو قبل ذلك بفعل تحول الانتفاضة من احتجاجات سلمية على استمرار الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية الى عمليات وتفجيرات واعمال عنف انتقامية. واصبح وقف الانتفاضة اليوم ليس مطلبا اسرائيليا فحسب، بل ويا للغرابة مطلباً دولياً ايضا، فالاوروبيون والامريكيون يجمعون على ضرورة ان توقف السلطة الفلسطينية، ما يعتبرونه عنفا وتعتقل نشطاء الانتفاضة اولا قبل الحديث عن استئناف المفاوضات مع اسرائيل! واصبحت القيادة الفلسطينية نفسها مقتنعة بهذا المطلب الذي يلوح به رئيسها ياسر عرفات عند كل عاصمة اوروبية يزورها، ويتعهد امام المسئولين الاجانب الذين يزورهم او يزورونه بأنه سوف يعمل كل ما في وسعه من اجل ضمان وقف اطلاق النار مع الاسرائيليين، وهو ما يعني في اللغة العملية وقف الانتفاضة. ومع ذلك لا يقبل شارون هذه التعهدات وانما يتمادى ويتمنع، مرة يتحدث عن ضرورة وقف العنف مئة بالمئة، ومرة اخرى يشترط سبعة ايام متتالية يلتزم فيها الجانب الفلسطيني بعدم اطلاق اي رصاصة او حجر على الاسرائيليين. اما المقابل الذي يطرحه رئيس الحكومة الاسرائيلية فهو ليس المفاوضات حول سحب قواته من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ولا حتى التفاوض حول ذلك، وانما البدء في التفاوض على اساس ما جاء في تقرير لجنة ميتشل الذي بدوره يمهد لمفاوضات حول الوضع النهائي للاراضي المحتلة والله وحده يعلم متى سوف تبدأ وكيف ستنتهي. فهل ينبغي لوم شارون في تمنعه ومماطلاته ام لوم عرفات في تردده. ورقة الانتفاضة ورغم ان ما فات قد فات، ولا ينفع البكاء على اللبن المسكوب، فإن القيادة الفلسطينية ارتكبت خطأ كبيراً برفضها مقترحات كامب ديفيد التي قدمها رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ايهود باراك وضمنها الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون والتي اعطت الفلسطينيين 95 في المئة على الاقل من اراضي الضفة الغربة وقطاع غزة بما في ذلك معظم القدس الشرقية، وامكانية حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بصورة عملية. وكنا نتصور ان رفض عرفات انما يعني وجود ورقة افضل لديه سوف يلعبها، وتحقق له ما عجزت كامب ديفيد عن تحقيقه. كان التصور ان هذه الورقة هي الانتفاضة، وكان من المتوقع في البداية على الاقل ان تسير هذه الانتفاضة في طريق المقاومة السلمية من احتجاجات واضرابات واعتصامات ومسيرات شعبية وما شابه من طرائق العمل السلمي ضد الاحتلال.لكن للأسف ما ان بدأت الانتفاضة تخطو اولى خطواتها، حتى اخذت تنحو منحى المقاومة العنيفة، ثم سرعان ما جرى تسليم هذه الانتفاضة الى حماس والجهاد وبعض امتداداتهم في فتح، الذين راحوا يفجرون انفسهم ويفجرون غيرهم بالعمليات الانتحارية فيزرعون الرعب في المدن الاسرائيلية وبين اليهود، من دون ان يكسبوا اي قضية. وتبين ان عرفات لم يكن يملك شيئا افضل مما تلقاه في كامب ديفيد ولذلك عادة مرة اخرى يطلب الاتفاق مع شارون الذي سبق ان تعهد بأنه لن يسلم الفلسطينيين اكثر من 42 في المئة من أراضي الضفة والقطاع! الفخ الاسرائيلي لقد نجح الجيش الاسرائيلي، عبر عمليات القصف والاغتيالات والقمع المنظم للفلسطينيين، في استدراج الجماعات الفلسطينية للرد عليه بالاساليب الانتحارية. وبالتالي نجح في تقديم الانتفاضة للرأي العام العالمي على انها مجرد عمليات عسكرية يشنها فلسطينيون ضد الاسرائيليين عسكرين ومدنيين. وكنتيجة منطقية لهذا التصور، فإن العودة للمفاوضات وهو الهدف الذي يحظى بتأييد عالمي، يقتضي ليس فحسب ان توقف اسرائيل من عملياتها وتوغلاتها في المدن والقرى الفلسطينية، ولكن يقتضي ايضا ان يوقف الفلسطينيون عنفهم! ولو كانت الانتفاضة قد حافظت على نهجها السلمي لما تمكن شارون من ان يقول للعالم دعوا الفلسطينيين يوقفوا مسيراتهم واحتجاجاتهم السلمية اولا كي اوقف دباباتي وجنودي عن القتل والتوغل وهدم المنازل الفلسطينية! ولكن لما كانت الانتفاضة الفلسطينية قد تحولت واقتصرت على هذا النوع من العمليات فمن الطبيعي ان يكون وقف هذه العمليات يعني وقف الانتفاضة! وليس ذلك فحسب، فالخطة الاسرائيلية تتوقع ايضا ان وقف الانتفاضة من جانب القيادة الفلسطينية من دون تحقيق اهداف ملموسة وفورية من شأنه ان يضع هذه القيادة في مواجهة الشارع الفلسطيني وفصائله، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب الساحة الفلسطينية الداخلية، اما اذا رفض الفلسطينيون وقف العنف واستمروا في الانتفاضة «مثلما هو متوقع منهم كأمر طبيعي» فإنهم يكونوا قد وضعوا انفسهم في مواجهة الضغوط الدولية، وبالتالي يتحملون المسئولية عن اي تصعيد عسكري في الاراضي المحتلة، ان هذا السيناريو، كان واضحاً منذ البداية. مع ذلك هل فقد الأمل؟ بالطبع لا، فقضية الشعب الفلسطيني قضية عادلة وهو من حقه ان تكون له دولته المستقلة وان يعيش مثل باقي الشعوب في أرضه متمتعاً بالكرامة والأمن والسلام. والشعب الفلسطيني قدم تضحيات جسام طوال الخمسين عاماً الماضية من أجل تأكيد حقه المشروع في الأرض وتقرير المصير وهو بالتأكيد يستحق ان ينال هذا الحق من زمن بعيد. لكن المؤسف ان قيادته كانت في الكثير من الأحيان لا تحسن قراءة الواقع وموازين القوى واحتمالات المستقبل. ومما يبعث على الأمل هو خروج بعض الشخصيات من داخل الشعب الفلسطيني، تعبر عن ضجرها واحباطها من الأسلوب والكيفية اللتان تدير بهما القيادة الفلسطينية عملية الصراع مع اسرائيل. من المؤكد ان هذا النوع من الشخصيات وهذا الضرب من التفكير سوف يتزايدان في الأيام المقبلة، أو على الأقل هذا ما نأمله. ـ كاتب من البحرين