المشهد الدامي على الساحة الأفغانية فيه خاسرون كثيرون، لكنه بالنسبة للأفغان هو استمرار لمسيرة الحرب الدائرة في بلادهم منذ ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً، والتي كانت بدايتها مناوشات في منتصف السبعينيات بين المعارضين الاسلاميين والشيوعيين الذين كانوا قد بدأوا يتسللون للسلطة بعد الانقلاب الذي قام به رئيس الوزراء محمد داوود ضد الملك ظاهر شاه عام 1973م، وانهى من خلاله النظام الملكي، غير ان قيام الشيوعيين بانقلابهم ضد داوود في ابريل عام 1978 أدى إلى قيام انتفاضة شعبية في أفغانستان، ومفاصلة بين الشعب وبين النظام الشيوعي، أصبحت شاملة بعد تدخل السوفييت في أفغانستان في ديسمبر عام 1979. في هذه الأثناء بدأ الآلاف من المتطوعين المسلمين من كل أنحاء العالم يفدون إلى أفغانستان للمشاركة في الجهاد إلى جانب اخوانهم الأفغان ضد السوفييت، وكانت معظم الدول العربية والإسلامية تدعم ذلك برضا أمريكي حتى ان بعض الدول كانت تنظم رحلات للمتطوعين أو تقدم لهم تسهيلات، فيما كانت دول أخرى تقدم دعماً عسكرياً وأخرى مادياً، وربما لا توجد دولة عربية أو إسلامية لم يذهب متطوعون منها إلى أفغانستان، وكان العرب دون غيرهم يحظون باحترام خاص لدى الأفغان، الذين كانوا يعتبرونهم احفاد النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، وكانت عبارة «مهمان عرب» أي ضيوف عرب لها وقعها الخاص لدى الأفغان. وأذكر أثناء تغطيتي الصحفية للحرب الأفغانية بين عام 1987 و 1990 كيف كان الأفغان يقدرون عملي بشكل خاص باعتباري كنت من الصحفيين العرب القلائل في ذلك الوقت الذين قاموا بتغطية ميدانية للأحداث، وكان سعيي الدائم للحصول على قصة انسانية مميزة أو خبر مهم أو مقابلة خاصة محل تقدير واحترام من الجميع، لا سيما واني كنت أراسل اكثر من سبع صحف ومجلات عربية تصدر بين الخليج ولندن. لكن صورة العرب بدأت تتغير في نفوس الأفغان بعد سقوط كابول في أيدي المجاهدين عام 1992، فالذين شاركوا الأفغان الجهاد الحقيقي أدركوا ان مهمتهم قد انتهت، وعاد كثيرون منهم إلى بلادهم وانخرطوا في أعمالهم وحياتهم العادية، لكن آخرين انحرفوا واحترفوا العمل ضد حكوماتهم، وأصبحوا يقومون بأعمال تخريبية في بلادهم تستند على فتاوى خاصة أساءوا من خلالها إلى دينهم وإلى أوطانهم وخسروا كل شيء، أما الباقون فقد بقوا في أفغانستان يقاتلون مع هذه الفئة ضد الأخرى، بعدما بدأ النزاع يدب بين صفوف الأفغان بعد سقوط العاصمة كابول، وكان هذا بداية تشويه الصورة الجميلة التي رسمها العرب في نفوس الأفغان خلال سنوات الجهاد الأولى. فبعد سقوط كابول لم يقبل قلب الدين حكمتيار بأن يكون هناك رئيس لأفغانستان غيره، ورفض كل المناصب التي عرضت عليه ابتداء من وزير الدفاع إلى رئيس الوزراء، وأكله الحقد ان يكون غريمه أحمد شاه مسعود هو فاتح كابول، وليس هو، فأخذ يدك كابول بالصواريخ طوال أربع سنوات فهدم منها ما لم يهدمه الشيوعيون طوال سنوات بقائهم في الحكم، وكان معه مقاتلون عرب، شاركوا في القتال ضد رباني ومسعود وسياف وباقي قوات المجاهدين الآخرين، وجاءت طالبان عام 1996 فأزالت حكم رباني من كابول، وانضم إليها معظم العرب يقاتلون معها، كما ذكر الزعيم الأفغاني البارز عبد رب الرسول سياف في المقابلة التي أجريتها معه يوم الأربعاء الماضي في برنامج «بلا حدود» ـ ارتكبوا مجازر بشعة ضد المدنيين الطاجيك الذين لم يؤيدوا حركة طالبان، وشاركوا في ابادة قرى أفغانية من على ظهر الأرض وأحرقوا أطفالاً ونساءً وعجائز. وأخيراً قام اثنان من العرب انتحلا صفة صحفيين بقتل الزعيم الأسطوري أحمد شاه مسعود الذي فشل السوفييت في اغتياله طوال سنوات الجهاد، فتركوا جرحاً غائراً لن يندمل في نفوس الطاجيك والأفغان الذين أحبوا مسعود بشكل عام، الذين أصبحوا ينظرون إلى العرب على انهم قتلة حتى انهم لم يسمحوا للصحفيين العرب بالدخول إلى كابول حتى الآن، وعلى رأسهم أربعة أطقم تلفزيونية لقناة «الجزيرة» بل قاموا بطرد مراسل الجزيرة مرتين بعد دخوله رغم انه كان يحل ضيفاً على وزير خارجية طالبان لمجرد اكتشاف انه عربي ومن قناة «الجزيرة».والآن يواجه العرب الذين قاتلوا إلى جوار طالبان ضد تحالف الشمال مذبحة في قندز كما واجهوا أعمالاً انتقامية في كل من مزار الشريف وكابول من قبل، ولم يعد أحد من الأفغان ينظر إليهم بعين الرحمة، لأنهم شاركوا طالبان في قتل الأفغان من قبل وقتلوا أحمد شاه مسعود، وجعلوا أنفسهم طرفاً بين شعب قبلي له عاداته التي لا تنسى الثأر، فخسروا كل شيء ولطخوا سمعة العرب جميعاً، وأصبحت صورة العرب في النهاية لدى الأفغان انهم قتلة ومأجورون يستحقون القتل والتمثيل بالجثث، كما يفعل بهم الآن، ورغم ان قادة تحالف الشمال مثل رباني ويونس قانوني وسياف قد رحبوا بدخول مراسلين من قناة «الجزيرة» لتغطية ما يحدث في الشمال وفي كابول بعد سقوطها إلا ان الرئيس برهان الدين رباني وسياف أبلغوني ان دماء أحمد شاه مسعود لم تجف بعد. وانهم يخشون على حياة أي صحفي عربي من ان يقتل على أيدي أي مقاتل ممن يحبون مسعود وينظرون إلى العرب على انهم قتلة، لقد خسرت أطراف كثيرة في الحرب الدائرة على الساحة الافغانية، لكن العرب ـ دون شك ـ هم الخاسر الأكبر. ـ كاتب وإعلامي مصري