خلال اربع وعشرين ساعة قتل 14 فلسطينيا على ايدي القوات الاسرائيلية. ومن بين العواصم الغربية لم يصدر رد فعل فوري الا من باريس. وحتى التصريح الذي صدر عن وزارة الخارجية الفرنسية كان تعبيرا عن «حزن» ـ لا عن ادانة. ويمكن ان نتصور لو ان العكس هو الذي حدث .. اي لو كان الضحايا اسرائيليين والقاتل او القتلة من احدى منظمات المقاومة الفلسطينية، كيف يكون رد فعل المسئولين في دوائر الحكم الغربية قياسا الى السوابق؟ بيانات شجب غاضبة تكون مقدمة لتدافع وزراء خارجية وسياسيين آخرين الى المنطقة لتقديم العزاء الى شارون والضغط على عرفات لاعتقال «المجرمين» وتصعيد جهود السلطة الفلسطينية، في محاربة المنظمات الفلسطينية «الارهابية» الى نسبة مئة في المئة. لقد بلغ عدد الكوادر الفلسطينية التي طالها نهج الاغتيال الاسرائيلي ما ينيف على 180 شخصا اذا تغاضينا عن مقتل مئات المدنيين الفلسطينيين العاديين بمن في ذلك اطفال ونساء واذا لم نأخذ في الحساب عمليات تهديم المنازل وتدمير المزارع. وبما انه لم يعد موضع شك ان هذا النهج الابادي بات سياسة اسرائيلية ثابتة لابديل لها يصبح من المحتم ان نطرح تساؤلا ظل مكتوما في الصدور الفلسطينية والعربية اما آن الأوان لقيادة السلطة الفلسطينية ان تعلن لشعبها وللعالم انها قررت رد الاعتبار لمبدأ الكفاح المسلح ليكون نهجها الاوحد للتعامل الأمثل مع اسرائيل .. حتى اشعار آخر؟ ان سياسة الابادة التي ينتهجها ارييل شارون ليست تدبيرا مرحليا عارضا لان شارون يعلم ان التصور الاسرائيلي الثابت لمستقبل الشعب الفلسطيني لن يكون مقبولا لاي فلسطيني سواء على المستوى القيادي او المستوى الشعبي لانه وفقا لذلك التصور لن تكون الارض الفلسطينية سوى كيان لحكم ذاتي محدود تحت السيادة الاسرائيلية. كان هذا هو تصور مناحيم بيجين في عقد السبعينيات خلال مفاوضات كامب ديفيد مع الرئيس انور السادات ومنذ ذلك الحين توالى على السلطة في اسرائيل اسحاق شامير وشمعون بيريز وبنيامين نتانياهو وايهود باراك وارييل شارون دون ان يطرأ على هذا التصور الاساسي اي تغيير جوهري. ولان كل هؤلاء القادة الاسرائيليين كانوا على قناعة تامة بأن من المستحيل ان يقبل الفلسطينيون بهذا التصور الاسرائيلي طوعا فان كلا منهم توصل بنفس القدر الى قناعة نهائية بان القهر المسلح على اوسع نطاق ضد الشعب الفلسطيني لفرض الرؤية الاسرائيلية هو السياسة المثلى الوحيدة التي يجب ان تعتمد في التعامل مع المشهد الفلسطيني. ان قيادة السلطة الفلسطينية تدرك طبيعة الموقف الاسرائيلي الذي تواجهه، وعليه فان من المفترض منطقيا ان تكون هذه القيادة قد توصلت الى قناعة مضادة بان ماهو مطروح امام الشعب الفلسطيني مصيريا يتمثل في احد خيارين: اما الاستسلام الكامل للتصور الاسرائيلي للمستقبل الفلسطيني بان لا تكون فلسطين اكثر من ولاية تابعة للسيادة الاسرائيلية واما المقاومة الشعبية المسلحة كنهج اوحد لتحرير الارض ونيل الاستقلال الكامل. لقد استبق الشعب الفلسطيني، ممثلا في فصائل المقاومة الشعبية باختلاف توجهاتها السياسية، الى هذه القناعة المضادة عن طريق التجربة المريرة لما بعد اوسلو واخذ يطبقها ميدانيا. ومع التصعيد المتبادل بين المقاومة الفلسطينية واسرائيل فان الشعب الفلسطيني يتساءل: لماذا لا تنضم قوات الامن التابعة للسلطة الفلسطينية الى خندق المقاومة بأمر حازم وحاسم من قيادتها؟