الحرب الدائرة في أفغانستان نوعية جديدة من الحروب التي تختلف كثيرا من حيث الأداء العملي على الأرض مع الحملة الاعلامية لها والمساندة بكل التفاصيل الناتجة عنها. إلا ان هذه الحرب لن تكون الاخيرة في سلسلة حروب القرن المصحوب بألفية جديدة لم تستطع الحفاظ على أدنى درجات الأمان للبشرية منذ ايامها الأولى او لحظات ولادتها، وهي كذلك الى هذه الساعة التي بدأ الصفر يلاحق عقاربها خوفا من لدغاتها السامة. لن ندخل الى العمليات الحربية في هذه المأساة التي ستستمر طويلا طويلا دون تحديد فترة زمنية وعلى جميع الجبهات كما هو الهدف المعلن منذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي وهذا الهدف في توسع بائن. نأتي الى الحرب الاعلامية المصاحبة للحرب الميدانية فنرى ان الاسلوب الامريكي في الاعلام مختلف تماما عما كنا نلاحظه ونشاهده ونقرأه او نسمعه في حربي الخليج الاولى والثانية، فالتفاصيل اليومية كانت واضحة على شاشة الحياة اليومية والنقل المباشر لم يقصر في تزايد درجات الرعب لدى عامة الناس، فمناظر الجثث والأشلاء المبعثرة كانت وجبة اعلامية لا تكاد تخفى عن العيون لحظة، وان نسينا فلا يمكن ان ننسى كل البشاعة المصورة التي تزدحم فيها الذاكرة وهي تحملها ولا تملك التخلص منها لأن الحروب مستمرة والشحنات الاخرى تزيد من ثقل الأعمال عليها ولا ينقص منها شيء. امريكا قائدة الحرب الافغانية الثالثة هي التي تتحكم اليوم فيما ينشر ولا ينشر وبالذات في المعلومات السلبية التي توردها بعض وسائل الاعلام على هيئة فتات وليست تدفقات كالسابق، فهي تعلن النفي عن كل ما يمسها من أذى وكأن الحرب الدائرة في ديار الافغان تؤذي الجميع باستثناء امريكا، فهي بهذا تؤصل سياسة النفي الاعلامية مبعدة نظرية الحياد والموضوعية التي تبنتها لسنوات من عمرها المزدهر. بالمقابل فإن البديل المتوفر والميسر كان في قناة الجزيرة وهي كادت ان تصبح في هذه الحرب «سي. ان. ان» العرب وهي الناطق الرسمي باسم طالبان والقاعدة منذ بداية الحرب حتى تدخل امير قطر في تهديد «القاعدة» لتجاوزها الحدود التي يسمح لها بالنشر والاعلان عن نفسها عبر الجزيرة التي ازعجت امريكا كثيرا ولم تستمر في لعب دور محايد وموضوعي حتى دارت الدوائر على طالبان فما كان منها حتى تولت التحالف الشمالي من خناقها وبدأت تكيل له سلسلة من الاتهامات التي لم نسمع عنها طيلة فترة العمليات الحربية من احد وعلى اتهام التحالف بقتل أسد بانشير الشاه مسعود مع ان الأمر قد بت فيه وعرف القاصي والداني عن الجاني كل شيء وهو الذي يذهب اليوم الى مصيره المحتوم بيديه ورجليه فهلا تعيد القناة التي تعد نفسها لخلافة الـ «سي. ان. ان» حساباتها الاعلامية؟