بعد أيام .. يجتمع في القاهرة عدد كبير من رموز الثقافة العربية في حوار فكري ترعاه جامعة الدول العربية وربما كانت فكرة المؤتمر في ذهن عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية منذ تولى منصبه، وبدأ في تحديث الجامعة ببرنامج طموح تضمن فيما تضمن أن تخرج الجامعة من الإطار الرسمي الذي تم وضعها فيه، لتمد جسور التعامل إلى المنظمات المدنية في المجتمعات العربية وإلى المفكرين والمثقفين العرب ليشاركوا في وضع النظام العربي الجديد. ربما كانت فكرة المؤتمر قد جاءت في هذا الإطار ، ولكنها بعد أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من تداعيات اكتسبت بعدا آخر. فمن بين التداعيات كان هناك الخطر الذي مازال ماثلا بأن تمتد الحرب الأمريكية ضد ما يسمى بالإرهاب لتشمل دولا أو منظمات عربيه. وقد تمت مواجهة ذلك بالرفض العربي الكامل من الدول العربية ومعظمها في داخل التحالف الذي يخوض الحرب مع أمريكا ثم كانت هناك تلك الهجمة البشعة ومحاولة تحميل مسئولية ما حدث في أمريكا للعرب والمسلمين ، واستغلال الموقف لشن حرب كراهية طالت العرب والمسلمين في أمريكا ودول الغرب، ولمحاولة تشويه الاسلام وتصويره على أنه دين يحض على الإرهاب والإساءة للعرب وتقديمهم على أنهم وحوش بالفطرة وإرهابيين بحكم عروبتهم. التحديات الداخلية والخارجية في ظل هذا المناخ اكتسبت الدعوة لهذا المؤتمر أهمية مضاعفة شرحها أمين الجامعة العربية عمرو موسى في حوار خاص معه بأن خسارتنا الكبرى في الأحداث الأخيرة هي التي تتعلق بصورة الإنسان العربي والهجمة الشرسة التي تستهدف تشويه الحضارة الإسلامية والعربية. ومن هنا يأتي لقاء المثقفين العرب في رحاب الجامعة ليس فقط للتعامل مع هذه التحديات الخارجية بالعلم والحقيقة، ولكن أيضا - كما يؤكد عمرو موسى - لكي نتعامل مع التحديات الداخلية. وما أكثرها ، وما احوجها لمشاركة الفكر والثقافة في الحوار حولها. والنقطة الأولى التي ينبغي الوقوف عندها في هذا المؤتمر هي عودة المثقفين إلى الجامعة أو على الأقل المحاولة الجادة في هذا الاتجاه. وتجيء هذه الخطوة بعد عزلة طالت بحكم ظروف عديدة ، رغم أن البداية كانت مبشرة ، والجانب الثقافي كان له اهتمام كبير في نشاط الجامعة منذ نشأتها. وقد جاء وقت كان النشاط الثقافي للجامعة تحت إشراف الدكتور طه حسين نفسه الذي قدم لنا من خلال هذا الموقع مشروعه العظيم لترجمة الألف كتاب الذي كان تجديدا لحركة الترجمة الأولى في القرن التاسع عشر ، والذي أضاف للمكتبة العربية ذخيرة ثقافية رائعة وفتح نوافذ على الفكر العالمي كانت الحاجة ماسة إليها. ثم جاءت فترة بعد ذلك انحسر فيها النشاط الثقافي للجامعة العربية لأسباب عديدة، منها أن العناية تركزت على النشاط السياسي دون الثقافي ، ومنها أن دور الجامعة العربية نفسه أخذ ينحسر في ظل إنقسامات كبيرة في النظام العربي وفي ظل عجز الجامعة عن تطوير دورها ، ومنها أن معظم الأنظمة العربية دخلت في أزمة طويلة مع المثقفين وأحيانا مع الثقافة نفسها! وربما لم يتجسد ذلك كله كما تجسد في تلك اللحظة الفارقة في التاريخ العربي الحديث في عام 1991، حين استيقظت الأمة العربية على وقائع غزو الكويت وما تلاها من تدمير للعراق. كانت هذه إحدى لحظات الإنكشاف الخطيرة للأمن القومي العربي، فالأمة انقسمت ، والنظام العربي في أزمة تهدد بالإنهيار الشامل ، والجامعة العربية عاجزة، والمثقفون العرب تفرقوا شيعا وأحزابا، والتدخل الأجنبي كان الحل وكان المشكلة معا. وما بعد الحرب كان أسوأ، عالم عربي ممزق، ومثقفون - على كل الجبهات - يعانون المرارة، ودعوات تنطلق بأن النظام العربي مات ، وأخرى تقول بأن العروبة كانت مجرد خرافة ، وخسائر مادية فادحة وخسائر معنوية أكثر فداحة، ووجود أجنبي يترسخ، واستنزاف طويل المدى لموارد الأمة ، وهجوم خارجي يستغل اللحظة لفرض أمر واقع جديد يستهدف الهيمنة الإسرائيلية - الأمريكية على المنطقة من خلال طرح مشروع الشرق أوسطية الذي يقوم على أن المشروع العربي قد فشل وانتهى أمره، ولم يعد أمام العرب إلا تسليم مقدراتهم للقوة القادرة على قيادتهم المؤهلة لتحديثهم وهي إسرائيل!! اعادة ترتيب الأوراق وإذا كانت الأمة قد أثبتت قدرتها على الحياة بتجاوزها الكثير من هذا الواقع المخيف الذي واجهته في الأزمة، وإذا كانت الإنتفاضة الفلسطينية قد أعادت ترتيب الأوراق في المنطقة وأوقفت مسيرة الهرولة والاستسلام، فإن الأمة تواجه الآن مأزقا آخر قد يكون أشد وأخطر بعد أحداث 11 سبتمبر في أمريكا وتداعياتها في العالم وتأثيراتها الخطيرة على المنطقة. واذا كان عمرو موسى قد اختار هذا التوقيت ليفتح أبواب الجامعة العربية لتدخلها العقول العربية المفكرة بعد طول غياب. فإن الظروف التي حكمت هذا القرار تضع المثقفين العرب في موقف بالغ الحساسية. فعودتهم هنا ترتبط مع حملة واسعة لتشوية الإسلام والإساءة للعروبة والصاق تهمة الإرهاب لأكبر ضحاياه وهم العرب وعودتهم ترتبط أيضا بإحساس فادح بالأزمة التي مازالت تطبق على الأمة العربية وتثير المخاوف حول المستقبل. وتتخذ الازمة مظاهر عديدة لابد أن تكون ماثلة أمام المفكرين وهم يستعيدون للثقافة موقعها في العمل العربي المشترك داخل المنظمة العربية الأهم. هناك أزمة الديمقراطية التي تعانيها كل المجتمعات العربية ، والتي يدرك الجميع أنها لم تعد تحتمل التأجيل. وإذا كانت الجامعة العربية قد بدأت الإقتراب من هذه القضية بتعيين مفوض لشئون المنظمات المدنية هو طاهر المصري السياسي الأردني الفلسطيني ، فإن المهم ألا يقتصر الأمر على مجرد المتابعة ، بل يمتد لتفعيل العمل الديمقراطي وفقا لرؤية عربيه مشتركة يتوافق بشأنها النخبة الفكرية مع الإدارات الحاكمة. هناك أزمة اقتصادية تعانيها الكثير من الدول العربية وفي نفس الوقت هناك قصور في العمل العربي المشترك لمواجهة ذلك. إن فكرا جديدا ينبغي أن يتم طرحه في ضوء عدة متغيرات عربية وعالمية وسقوط المشروع القطري للتنمية وبزوغ عالم يعتمد على التكتلات الاقتصادية وتسيطر عليه الشركات الكبرى في ظل نظام العولمة الذي يهدد الفقراء بإزدياد فقرهم ويمنح الأثرياء مزيدا من الثراء. وفي ظل كل ذلك تبدو الوحدة الاقتصادية العربية طريقا لابد من السير فيه بخطوات واثقة حتى ولو كانت بطيئة ، فبدون ذلك سوف يتعرض العالم العربي لخطر التهميش حتما. هناك قضية الخلل الاجتماعي والفقر السياسي الذي ينتج التربة الملائمة لأفكار متطرفة أو لسلبية خطيرة لدى الأجيال الجديدة ويضاعف من خطورة الموقف هذا العقم الفكري الذي يتمثل في العجز عن طرح الأفكار الجديدة في ظل هيمنة الأطروحات المختلفة التي تحاول تقييد العقل العربي وإعادته إلى القرون الوسطى ، وفي ظل نظم تجمدت وتخشى من مواجهة أي جديد، والنتيجة أن الكل يلف ويدور حول قضايا كنا نظن أنها قد حسمت منذ عشرات السنين. يرتبط ذلك بهجمة ثقافية خارجة تحاول جعل اختلاف الثقافة العربية عن ثقافة الغرب وأمريكا جريمة ، مع أن اختلاف الثقافات حتمى وهو عامل ثراء للبشرية إذا كان سبيلا للتحاور وليس طريقا للصدام. ويرتبط ذلك بمحاولة ضرب التآلف البشري في عالمنا العربي ، بإثارة النزاعات الطائفية والعرقية وتحويل التعايش الذي شهدته المجتمعات العربية إلى صراعات مدمرة عن طريق الدين كما حدث في لبنان وكما حاولوا مع أقباط مصر أو عن طريق الصراعات العرقية كما فعلوا مع أكراد العراق ومع البربر في الجزائر ودول الشمال الأفريقي. ولعل دعوة المفكرين الأكراد والبربر للمشاركة في هذا الحوار الذي يدور تحت سقف الجامعة العربية هو بادرة طيبة على أننا لا نخشى مناقشة مشاكلنا الداخلية ، ولا نخاف من الحوار حولها، لأنه طريقتنا إلى اكتشاف الحلول التي تضمن وحدتنا وتؤكد على أن حرية الوطن وحرية المواطن لا يفترقان. ويدور كل ذلك في ظل أفكار خارجية لابد من مواجهتها: إسرائيل التي تريد فرض سلامها على العرب، أي استسلامهم لها بدون قيد أو شرط ، ونظام للعولمة لابد أن نكون شركاء فيه بشرط تعديله ليضمن العدل لدول العالم كلها ولا يدار لمصلحة الدول الغنية فقط ، ووجود أجنبي إزداد رسوخا بعد حرب الكويت ويراهن على أن الصراعات العربية - العربية ستجعل وجوده أبديا وسترهن مصير المنطقة في يده. مواجهة الهجمة وهكذا تتحدد المهام أمام المفكرين العرب عند اجتماعهم في رحاب الجامعة العربية. فإذا كان الرد على حملات الكراهية والتشويه في أمريكا وأوروبا ضد الإسلام والعروبة قد أصبح مهمة عاجلة فرضتها الظروف وتستوجب التحرك الواعي على مختلف الأصعدة ، ومخاطبة الرأي العام العالمي وتقديم الحقيقة له. فإن ذلك يرتبط بأمور هامة في مقدمتها. أن المواجهة لا تكون بالشكوى والصراخ كما قال لي عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية ، بل بأن ندرك أننا نقف على أرض صلبة ، وألا نقف موقف الدفاع عن أسلافنا وعروبتنا ، بل بالمواجهة العملية والتاريخية التي تؤكد أننا كنا أول ضحايا الإرهاب وأول من واجهه بشجاعة حين كان الآخرون يهربون من المواجهة. الأمر الثاني أن معظم أسباب التوتر والغضب والإحباط الذي يولد العنف في المنطقة يجيء من إسرائيل وسياستها العدوانية ومن سياسات أمريكا المنحازة للعدوان الإسرائيلي على طول الخط. وأنه بدون حل لهذه القضية فلن يكون أمن ولا استقرار لأحد. الأمر الثالث أن ذلك لا يغضبنا من مواجهة النفس بشجاعة ، ومن مناقشة همومنا ومشاكلنا بصراحة ، وفق التأكيد على أن جرائم الاستعمار القديم أو الجديد في حقنا لا تغضبنا من المسئولية ولا ترفع عنا ضرورة الإقرار بالتقصير فيما قصرنا فيه. وهو إعداد مجتمعاتنا لمعارك الحاضر والمستقبل بدلا من إغراقها في معارك الماضي الذي لن يعود. أمامنا معركة صعبة ضد التخلف ، ولبناء المجتمعات الديمقراطية، ولإقرار العدل والحرية للمواطنين كافة. وفي نفس الوقت أمامنا معركة ضد الاستعمار الصهيوني والهيمنة الأمريكية لا خيار أمامنا إلا أن نربحها مهما كانت التضحيات لأننا إذا لم نحقق النصر فيها فلا مجال للحديث عن تقدم أو ديمقراطية أو عدل ورؤوسنا تحت رحمة الأعداء. و.. أن نرد الاعتبار للفكر الذي أهملناه طويلا في العمل العربي المشترك ، فإن هذا أمر يستحق الوقوف عنده ، ولكن المهم ألا يتحول الأمر إلى لقاء تقليدي مثل لقاءات كثيرة نسمع فيها الكثير من (الجعجعة) ثم لا نرى طحنا. المهم الآن أن يتحرك الجميع بمسئولية ، وأن ندرك أن معركتنا الفكرية هي مفتاح كل المعارك ، وأن المصالحة بينها وبين العمل السياسي لا ينبغي أن تكون على حساب أحدهما ، بل لينبغي أن تكون إثراء للعمل السياسي الذي أضاعتنا فيه المصالح والأهواء الشخصية طويلا ، كما ينبغي أن تكون دعما للعمل الفكري وبداية لإنشاء مؤسسات ثقافية ومعاهد فكرية تقوم بمهمة صناعة الأفكار ، ولا نخشى من اقتحام الجديد ، ولا تتصور أن الجمود هو الاستقرار. آمالنا كبيرة بحجم ما نعيشه من أزمات وما يواجهنا من مخاطر ، وما نملكه من ثروات مادية وبشرية. والأهم من ذلك بما نملكه من قدرة على الإبداع آن لها أن تفك القيود التي كبلتها طويلا. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية