اكتمل تورط امريكا في المأزق الافغاني .. فهي مترددة في ركوب مخاطرة حرب الكهوف والجبال ضد قوات طالبان .. وفي الوقت نفسه لا تستطيع ان تنسحب من المسرح الافغاني دون ان تفقد هيبتها. وفي الخلفية لا يزداد صراع الفصائل الافغانية الا ضراوة مما يزيد بدوره من تعقيدات التورط الامريكي. لقد اساءت الادارة الامريكية تقدير انسحاب قوات طالبان من الشمال الافغاني امام اندفاع قوات جبهة التحالف الشمالي، ولم تكتشف خطأ حساباتها الا بعد فوات الأوان. فمن ناحية اعادت قوات طالبان ترتيب وضعها القتالي فتركزت في ولاية قندهار موطنها الاصلي استعدادا لخوض حرب عصابات يمكن ان تنقل مسرحها الى مجاهل الجبال والكهوف المحيطة بالولاية. ومن ناحية اخرى اوقفت قيادة التحالف الشمالي زحف قواتها جنوبا عند مدينة كابول رافضة اي تقدم صوب قندهار لمؤازرة قوات الكوماندوز الامريكية. ان قيادات التحالف الشمالي الذي راهنت عليه الولايات المتحدة اصلا ليشارك قوة الكوماندوز الامريكية الارضية في الحاق هزيمة حاسمة بقوات طالبان وتنظيم «القاعدة» بزعامة ابن لادن، باتوا الآن مشغولين بأجندة اخرى. فهم يخططون لاقامة نظام حكم ثابت في الشمال الافغاني تاركين الجنوب لأهله قومية البشتون بما في ذلك طالبان . وبالتالي «القاعدة». لكن برز تعقيد آخر يضاعف من صعوبة الوجود الامريكي في المستنقع الافغاني. فقيادات التحالف الشمالي المتنافرة اصلا بسبب تناقض النعرات العرقية، انشقت على نفسها ازاء اقتسام السلطة. فالفصيل الاوزبكي بزعامة عبد الرشيد دوستم يرفض مسعى الفصيل الطاجيكي بزعامة برهان الدين رباني للاستئثار بالنصيب الاعظم من السلطة المركزية المقترحة. هذا الانشقاق ظهر بصورة عملية عندما تقدمت قوات التحالف المشتركة للاستيلاء على مدينة قندوز ـ آخر معقل لحركة طالبان في الشمال الافغاني. لقد فوجئت قوات التحالف بمدى شراسة المقاومة التي ابداها مقاتلو طالبان، ومعهم مقاتلون غير افغان بينهم عرب وشيشانيون واكثرهم باكستانيون. هنا ظهر الانشقاق، فمع استمرار القتال سحب دوستم قوته القتالية الاوزبكية ليبدأ تفاوضا مع ممثلين لقوات طالبان يفتح المجال لتحالف اوزبكي طالباني ضد فصيل رباني الطاجيكي. اما الفصيل الثالث التابع للتحالف، وهو فصيل الشيعة من قومية الهزارة بقيادة اسماعيل خان فلم يشارك في المعركة اصلا مكتفيا بالتمركز في مدينة هيرات. لكن قندوز ليست فقط معركة عسكرية. انها ايضا معضلة دبلوماسية. فاذا انتهى القتال بصورة او اخرى ماذا يكون مصير المقاتلين الباكستانيين الذين يبلغ عددهم عدة آلاف؟ اذا اعدموا على ايدي مقاتلي فصيل رباني فان التحالف الدولي ضد الارهاب بقيادة الولايات المتحدة قد يتمزق، لان باكستان لن تستطيع البقاء فيه اذا اتخذت امريكا وبريطانيا موقفا سالبا تجاه مذبحة لعدة آلاف من الباكستانيين سوف تفجر الوضع السياسي داخل باكستان حتما. على اساس هذه الخلفية المعقدة ليس من المتصور ان يحرز مؤتمر الفصائل المقرر عقده في المانيا حول مستقبل الحكم في افغانستان اي نجاح يذكر. فحركة طالبان تستعيد تحديها العسكري، والفصائل الاخرى مشغولة بهواجس ليس من بينها اسامة بن لادن . وحتى بريطانيا اعلنت انها لا ترغب في اقحام قوات للمشاركة مع قوة الكوماندوز الامريكية في مغامرة جبلية ضد طالبان و «القاعدة».