يمكن للمرء ان يروي عشرات بل مئات القصص المثيرة والمحزنة في آن، عما تعرض له مواطنون عرب من اعتداءات واعتقالات عشوائية واساءات واستفزازات، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر الماضي في واشنطن ونيويورك، وعلى الرغم من ان مدن الولايات المتحدة ومطاراتها ومرافقها العامة كانت مسرحاً لمعظم هذه الحوادث، إلا ان الضفة الاخرى من الاطلسي حيث تنتشر جاليات عربية كبيرة في مختلف الدول الاوروبية، شهدت حوادث مماثلة، ولو على نطاق اضيق. لقد بدأ في الايام التي اعقبت ذلك الثلاثاء الاسود في تاريخ امريكا وكأن موجة من الحقد تفجرت مرة واحدة، الى حد ان كل مهاجر عربي في اي مكان يقطنه خشي ان يناله شيء من هذه الموجة الهيستيرية المندفعة بقوة في جميع الاتجاهات. لكن ذلك لم يكن ليأخذ هذا الحجم الكبير في تأثيراته الخطرة بل والمدمرة لولا الحملات العنيفة التي اطلقتها معظم وسائل الاعلام الغربية عموماً والامريكية خصوصا في وجه المواطنين العرب: انت عربي.. اذا انت متهم (!) وعلى سبيل المثال فقد حرصت جمعيات بريطانية عدة على استخدام تعابير ومصطلحات بقصد تعميم الاوصاف التي تنطوي على اتهامات محددة، من نوع «الارهابيين العرب» او المتطرفين الاسلاميين بحيث لا يكون هناك اي تمييز بين شخص وآخر. وكان من الطبيعي ان تترافق هذه الحملات الاعلامية المشينة مع اجراءات تعسفية وعشوائية فاشية استهدفت الرعايا العرب، في تنقلاتهم، في مقار سكناهم في اماكن عملهم في جامعاتهم «بالنسبة للطلاب» وخلال تواجدهم في الاماكن العامة. هذه الحملات تعيد الى الاذهان الصورة النمطية للمواطن العربي في الاعلام الغربي: الشرير، المتعصب، الجاهل، المتخلف، الغادر، الكذوب، الكسول.. الخ. واذا كانت السينما الغربية حاولت دائما تجسيد هذه الصورة السلبية البالغة السوء من خلال قصص مفتعلة وحوارات ساذجة، بل تافهة، فإن التحقيقات التي تقدمها محطات التلفزة وتتعهد فيها ابراز كل ما هو سلبي وحجب كل ما هو ايجابي داخل المجتمعات العربية تكمل مهمة احداث التأثير المطلوب على وعي المتلقي الغربي وقناعاته واتجاهاته السياسية والفكرية ومع ذلك فإن الصحافة المكتوبة يظل لها الدور الرئيسي في تكوين هذه الصورة السلبية عبر تقديم معلومات زائفة او مضللة في كثير من الاحيان. الاسلام والغرب ان الهجمات الارهابية التي استهدفت الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر ليست موقفا عربيا او اسلاميا ولا تعكس اية توجيهات عقلانية واعية، وفي مختلف الاحوال هي تمثل وجهة نظر واسلوب منفذيها فقط. لذلك فإن تصنيفها على انها مواجهة بين الاسلام والغرب لا يستند الى اساس موضوعي، لكن في المقابل، فإن ردود الفعل المنفلتة على هذه الهجمات في امريكا والغرب: اعلاماً ومنظمات اهلية ومؤسسات رسمية توحي بأن هناك من يريد ان يحول هذا الحدث الارهابي الى مواجهة حقيقية بين الغرب والاسلام، حتى لو اضطر الامر الى خلق مرتكزات لها سواء من خلال اطروحات فكرية كتلك التي اطلقها قبل سنوات المفكران الامريكيان فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنجتون او عبر حملات عسكرية تنفذها الولايات المتحدة، وحدها او بمؤازرة دول اخرى تحمل قناعات مماثلة. بيد ان مواقف دول غربية كفرنسا مثلا، تعارض مثل هذا التوجه المتطرف، ربما يعيد الامور الى واقعها من دون اثارة او تضخيم وقد اكد العديد من الاعلاميين الفرنسيين البارزين ان مواقف الصحف من موضوع العرب والاسلام، لم تكن سلبية في الازمة الراهنة، وإن يكن ثمة نقاش واسع حول قضية الاسلام كما كان الحال دائما خصوصا في ظل تداعيات الاحداث الاخيرة. ،لم تقتصر هذه القراءة على الاعلاميين الفرنسيين بل ان وزيرة العمل والتضامن الفرنسية اليزابيث جنفو انتهت الى رأي مماثل انها، حيث قالت ان «ردة فعل المجتمع الفرنسي اتسمت بالكثير من النضج» واضافت كان الفرنسيون مسلمين وغير مسلمين حريصين على تجنب التعميم والخلط.. وهو مر مشجع. علما ان ذلك يمثل جانبا من الحقيقة وليس الحقيقة كلها فالمشكلة التي تواجه العربي: تشويها لصورته ومضايفات له، وتنكيلا به هي مشكلة حقيقية وليست وهمية وان يكن الوضع في فرنسا يبدو مختلفا نسبيا في الازمة الراهنة، فمن اين تأتي عملية التشويه في ظل هذه الوقائع المرة؟ هناك عوامل عدة ينبغي ان نستحضرها في مجال الاجابة عن هذا التساؤل: ـ اولا: العامل الفلسطيني ويرتبط به حكماً دور الاعلام الاسرائيلي والمنظمات اليهودية الناشطة في الولايات المتحدة خصوصا وفي الدول الغربية عموماً. ولابد من الاقرار بأن المواجهات التي وقعت بين اسرائيل والعرب على مدى الخمسين عاما الماضية وانتهت كلها لمصلحة الدولة العبرية «باستثناء حرب اكتوبر 1973، واخراج القوات الاسرائيلية المحتلة من جنوب لبنان عام 2000» خلقت صورة مزدوجة: التفوق الاسرائيلي الباهر من جهة، والعربي المهزوم المتخاذل الذين يتكلم كثيرا ويفعل قليلاً، او لا يفعل شيئا، من جهة ثانية، وقد تولد من كل ذلك واقع نجح الاعلام الاسرائيلي في رسم خيوطه وحدوده وتفاصيله، وكان من الطبيعي ان تترسخ هذه الصورة مع مرور السنوات، ومع الفشل المتكرر للدول العربية في احداث تغيير ولو جزئي في الواقع القائم، يضاف الى ذلك غياب الديمقراطية وحقوق الانسان في معظم الدول العربية، وفشل محاولات الانفتاح على العالم الخارجي، وهو ما عزز الانطباعات السلبية المتراكمة. ولعل بداية التحول الايجابي ظهرت مع انفجار الانتفاضة الفلسطينية الاولى عام 1986 حيث بدأت صور اطفال الحجارة تحتل مكانا بارزا في صور صفحات الصحف العالمية وشاشات التلفزة في مختلف انحاء العالم، ثم تعززت هذه الصورة الايجابية في الانتفاضة الثانية عام 2000 برغم محاولات اسرائيل قتل ايجابياتها وطمس كل جانب مضيء فيها. المقاومة والارهاب ثانيا: استطاع الاعلام الاسرائيلي والاعلام الامريكي المؤازر لاسرائيل ان يظهر العمليات التي تنفذها المقاومة الفلسطينية باعتبارها عمليات ارهابية، خصوصا تلك التي تنفذ بأسلوب العمليات الاستشهادية، وفي الوقت الذي استطاعت اسرائيل افشال التسوية السلمية المطروحة، نجحت في اظهار اعمال الاغتيالات والخطف والقتل التي تنفذها ضد الناشطين والقادة الفلسطينيين وكأنها دفاع عن النفس، وهكذا بدأت الصورة النمطية القديمة التي اختفت لبعض الوقت، تستعيد موقعها ولكن بتفاصيل وابعاد جديدة مختلفة، اذ حلت صورة منفذ العمليات الاستشهادية باعتباره قاتل المدنيين، بينما تأخذ اسرائيل صورة «البطل» المتفوق الذي يستطيع الوصول الى القادة الفسطينيين داخل مكاتبهم ومنازلهم وسياراته ومخابئهم، من دون التوقف عند الوسائل العسكرية المتفوقة التي تمتلكها اسرائيل وقدرة قواتها على الدخول الى أية منطقة تريدها من دون اي اعتبار للشرعية الدولية او للحصانة التي يفترض ان تتمتع بها السلطة الفلسطينية. اي ان المقاييس تنقلب مجددا، فتصبح اعمال المقاومة الفلسطيني عمليات قتل للمدنيين الامنين، وتغدو ممارسات الاحتلال الاسرائيلي الارهابية نوعا من الدفاع عن النفس. ثالثا: هناك تركيز شديد في الاعلام الاسرائيلي وفي الاعلام الامريكي والغربي بشكل عام، على ما يسمى الثروات البترولية العربية المذهلة، والاثرياء العرب، واهدار المال العربي. وكأن العرب يستولون على اموال الغرب وينفقونها من دون حساب، علما بأن دخل دولة صغيرة كهولندا ـ مثلا ـ يوازي مداخيل دول الخليج العربي مجتمعة. ويتعمد الاعلام الصهيوني المعادي للعرب رسم صورة كاريكاتورية، صورة نمطية شائعة تظهر الثري العربي وهو يبذر امواله كيفما كان لأنه لم يبذل أي جهد في تحصيلها. رابعا: هناك محاولات دائمة لتضخيم التناقضات القائمة بين المهاجرين العرب والدول والمجتمعات الغربية التي تحتضنهم. ومع ان العلاقة القائمة بين الطرفين هي علاقة تبادلية في الاساس، الا ان بعض وسائل الاعلام تحاول اظهار المهاجرين وكأنهم عالة على المجتمعات الغربية، فيستولون على اموال الضمان الاجتماعي بأساليب مختلفة، بعضها غير مشروع، ويتسببون في زيادة اعداد العاطلين عن العمل في الدول التي تستضيفهم، كما يرفضون الاندماج في المجتمعات الغربية. وبالفعل فقد نجحت عمليات التحريض التي مارستها بعض الصحف، بالاضافة الى منظمات متطرفة وسياسيين يمينيين متشددين، في تصعيد مشاعر الكراهية ضد المهاجرين العرب، ما ادى الى تعرضهم لاعتداءات ومضايقات واسعة. ولعل هولندا هي اكثر الدول الاوروبية التي شهدت اعتداءات ومضايقات ضد المهاجرين العرب، بعدما كانت الدولة الهولندية نحجت على مدى السنين الماضية في تنفيذ خطط واسعة لدمج المهاجرين، الذين ينتمون في معظمهم الى دول شمال افريقيا، «لاسيما المغرب» في المجتمع الهولندي، بحيث اصبحوا جزءا منه، ويعيشون حالة من الاستقرار يحسدهم عليها المهاجرون في الدول الاخرى. تأثيرات 11 سبتمبر خامسا: لا حاجة الى القول ان العمليات الارهابية التي نفذت في 11 سبتمبر اساءت كثيرا الى صورة العرب والمسلمين في العالم. وثمة خلط كبير «معظمه متعمد ومقصود» بين تصرف عدد محدود من الاشخاص ارتكبوا عملا ارهابيا لا خلاف على تصنيفه، وبين ملايين الاشخاص العرب المنتشرين في مختلف انحاء الولايات المتحدة ودول الغرب ويحترمون قوانين الدول التي تؤويهم، وفي حين كان الكثير من هؤلاء يعانون من مشاعر عنصرية ضدهم دون اي سبب، تحولت الهجمات الاخيرة الى ذريعة للتنكيل بهم والتخلص من بعضهم، ان امكن ذلك، في ظل اجراءات امنية استثنائية لم يواجهوا مثلها من قبل، وفي ظل تشريعات جديدة ترفع مستوى التعامل معهم الى حال طوارئ دائمة. المدير العام لمنظمة العمل العربية د. ابراهيم قويدر قدر عدد العمال العرب المهاجرين بنحو 15 مليونا، منهم اربعة ملايين مهاجر في الولايات المتحدة، وفقا للارقام الامريكية الرسمية. وتوقع قويدر ان تحدث هجرة عمالية معاكسة بتأثير المضايقات التي يتعرضون لها، خصوصا اذا لم يجر وضع حد للاجراءات الخاصة التي تستهدفهم. ثمة واقع عالمي جديد لابد من مواجهته فالادارة الامريكية تتحدث عن معركة طويلة جدا تحت عنوان «مكافحة الارهاب» وبما ان العرب أول المستهدفين في هذه المعركة السياسية المفتوحة، بصرف النظر عن حقيقة ما تشكو الولايات المتحدة منه، فاننا سنواجه مرحلة جديدة، وطويلة ايضا، تكون عملية تشويه الصورة العربية، المشوهة اصلا، احد ادواتها البارزة. الحقائق المعكوسة ويمكننا ان نلاحظ بوضوح، منذ وقوع احداث 11 سبتمبر، ان ثمة محاولة، تقوم اسرائيل بدور رئيسي فيها، لتكريس نوع من التطابق، السلبي طبعا، بين ما يحدث في واشنطن ونيويورك وما يحدث في الاراضي الفلسطينية. فارييل شارون « الارهابي القديم والجديد بامتياز» يخاطب الرئيس الامريكي بقوله: «نحن وانتم نكافح الارهاب ذاته، وما تفعله انت في افغانستان افعله انا في الضفة الغربية وقطاع غزة» وهكذا انقلبت الحقائق والادوار فتحولت صورة المناضل المقاوم: طفل الحجارة، او والده وشقيقه الذي يستخدم سلاحا من نوع اخر، في مواجهة المحتل، الى صورة ارهابي مهمته قتل المدنيين عشوائيا لا تحرير الارض المحتلة! ولعل رسائل الفيديو المتلفزة التي وجهها اسامة بن لادن الى العالم في شأن الموضوع الفلسطيني، تساعد في تعزيز الانطباع حول وجود ترابط بين ما حدث في امريكا وما يحدث في فلسطين، على الرغم من ان الموضوع الفلسطيني لم يكن ضمن اهتمامات ابن لادن المباشرة في اي وقت، بل كانت كل معاركه في اماكن واتجاهات اخرى. ان خلق تطابق بين الامرين والمكانين والاسلوبين يسيء الى القضية الفلسطينية بالتأكيد، فالقضية الفلسطينية، وعمرها اكثر من نصف قرن، هي قضية تحرر وطني مشروعة وعادلة، بينما تفجيرات نيويورك وواشنطن عملية ارهابية، حتى لو كان هدفها الاحتجاج على السياسة الامريكية. لهذا فان اسرائيل تستغل عملية الخلط هذه لتمعن في تشويه الصورة العربية من جهة، وتعطيل عملية التسوية السلمية في الشرق الاوسط من جهة اخرى. واذا كانت اسرائيل صاحبة مصلحة مباشرة في كل ذلك، فهل ينطبق هذا على الولايات المتحدة ايضا. ـ كاتب وصحفي لبناني ـ فرنسا