سأتحدث عن الأشجار، فأنا مولع بها ومنتسب بالفطرة للخضرة وبهائها، وأتكلم عنها الآن لكوني أتألم كثيراً كلما صادفت شجرة متهاوية بضربات فأس «مدنية»، وينتابني شعور ممزوج بالأسى والغضب، كما لو انني فقدت كائناً عزيزاً عليّ. المشهد هذا تكرّر أمامي مرات عدة.. أمس وقبله، وبعث في داخلي شجوناً كثيرة، فمنذ ان تفتحت عيوننا على الدنيا، كانت الشجرة صديقتنا الأثيرة، حفرنا عليها أسماء وعناوين كثيرة، منها ما زال حياً، وبينها من لفّه النسيان، وثمة أشجار كثيرة ماتت لكنها لا تزال واقفة، فيما لم يبق من هيئتها الأولى سوى آثار سكّين وبقايا كلمات. علاقتنا بالأشجار تنحدر من طفولة بعيدة، حيث زمن اللعب تحت أفيائها، وتسلّق أغصانها بحثاً عن الثمار وأعشاش الطيور، ولم يكن يشوب هذه الصلة خصومة أو عداء، حتى في أوج أيام الشغب والرعونة التي تسم عادة سنوات الصبا والمراهقة. وفي بستاننا بالقرية تنتشر أشجار الصبّار واللوز والتين على الجنبات، كأنها تصنع سياجاً يحمي الكرمة ومساحات الذرة والقمح المنسابة على الجلول.. وكم كانت جميلة مواسم قطاف الزيتون والعنب حين تجتمع العائلة تحت ظلال شجرة الخروب الطاعنة في الزمن، ونتناول ما حضرته الوالدة الحنون في زوّادة الحقل. والأشجار الواقفة تخيف المحتلين، وهذا سر كشفناه في فلسطين ولبنان، إذ كانت جرافات الاحتلال تفجّر حقدها ضد الاشجار والبساتين خشية انقضاض المقاومين على الجنود الغرباء.. وفي سعي إلى افناء تلك العلاقة الحميمة بالتين والزيتون والصبار بما هي أيقونات تعبّر عن انتماء الفلسطينيين إلى أرضهم وعناصر حياة يتشبثون بها. ولعل أجمل ما بقي في ذاكرتي عن الأشجار، ذلك الطريق الممتد على مسافة طويلة بين قريتي والمدينة، على جانبيه اصطفت أشجار السرو والحور والشربين تحنو على بعضها بعضاً، فيما السيارة تنهب الأرض وسط نفق أخضر يحجب نور الشمس. يحزنني هذا الطريق كلما تذكرته.. صار الآن على صورة أخرى، لم تعد تلك الأشجار واقفة، بعد ان أزالها الاحتلال، الطريق الآن بات فسيحاً، لكنه يفتقد إلى سحره الذي طالما افتتن به زوّار قريتنا. وحين قصدت هذه الأرض، تعانق تين وزيتون الجنوب مع النخيل والسدر في واحات الامارات وحدائقها.. وبالقرب من الدار التي أسكنها نسجت علاقة حب مع شارع طويل تتوسطه صفوف طويلة من النخيل تحيط بها مساحات خضراء منسقة بأشكال هندسية بديعة، وبين أشجار النخيل ثمة مقاعد خشبية يأوي إلى أحضانها أناس قادمون من أماكن قصيّة. الأشجار حنونة.. وهي أيضاً رقيقة، لكنها على هشاشتها، تظل عزيزة ومعطاءة، وإذ تحني قامتها للعاصفة الهوجاء أحياناً، إنما هي تمارس فن الحياة. في هذه الأرض اتسعت الخضرة.. لكني اغضب إذا انقطع غصن أو تهاوت شجرة، ويقيني أن أكثر من يحزن على قصف أعمار الأشجار هم زارعوها، وأتمنى من القلب ان يتواصل زهو أشجارنا، وأدعو لها ان تسري أكثر في الطبيعة والطبائع لتصير الصحراء أقل. email: ismail-haidar@yahoo.com