«محمد» طفل في الرابعة عشرة من عمره، وشقيقه «أكرم» في السادسة، وضعا أشياءهما الصغرى داخل حقيبتي كتبهما، قذفاهما خلف ظهريهما الصغيرين وانطلقا بين أزقة بيوت المخيم، إلى بيت عمهما ادريس حيث رافقهما ابناه «عمر وأنيس» وإلى بيت عمهم سلطان حيث انضم إلى الموكب الصغير ابنه «محمد» كانوا خمسة أطفال يتقافزون بمرح ويملأون الطريق ضجيجاً ومرحاً كانوا يرسمون حكايات عن ليلتهم السابقة، وعما ينوون ان يفعلوه مع مدرّستهم الجميلة في مدرسة المخيم التابعة للأمم المتحدة. كانوا يرسمون بأصواتهم العالية مستقبلهم، كانوا يحلمون بغدٍ لا تكون فيه مخيمات، ولا أمم متحدة توزع عليهم السكر والصابون والملابس، كانوا خمسة أبناء عمومة، عبروا بوابة أخرى من بوابات العائلة حيث كان يقف طفل في الحادية عشرة من عمره اسمه «محمد الأسطل» كان أحد أبناء العمومة الذي لم ينضم إليهم، بل ظل مسمراً عند البوابة بانتظار خروج شقيقته الصغرى! ودونما مقدمات دوى انفجار هائل، هز المخيم، وقذف الرعب في قلب الصغير محمد، فدخل مسرعاً، وأغلق الباب خلفه وذهب يندس في أحضان والدته، وعندما هدأ دوي الانفجار أطل مرتجفاً، فإذا به يتهاوى من هول الصاعقة، لقد كانت السماء تمطر أشلاء والدماء تلطخ الجدران وبقايا أطراف بشرية قد التصقت بالأشجار وأسطح المنازل، لقد كان المشهد مروعاً إلى آخر الحدود! تلك كانت نهاية مشمئزة وفظيعة لخمسة أطفال كانوا منذ دقائق يصنعون غدهم بطفولة مغردة كطيور ذلك الصباح، دون ان يضعوا حساباً لفظاعات جيش شارون الارهابي المدجج بالحقد والعنصرية، وعقيدة سحق الأطفال الفلسطينيين في المهد، وفي الطريق إلى المدرسة، على مقاعد الدراسة، وفي الطرقات، كما علمهم اياها «بن جوريون» و «جولدا مائير» ونصوص بروتوكولات حكماء صهيون! وجاءت لجان التحقيق وسيارات الاسعاف ولكن لترفع ماذا؟ ولتجمع أي جثث؟ لقد اختلطت أشلاء الأطفال الذين فجرتهم القذيفة الاسرائيلية بتلك الأشياء الخاصة الصغيرة المندسة في الحقائب بين الكتب والأقلام والدفاتر ووجبة الغداء البسيطة المكونة من قطعة خبز وجبن وحبات من الزيتون، تحول حلم الخمسة إلى ساحة أشلاء، ورذاذ من الدماء في سماء بلدة خانيونس في قطاع غزة، فلم يملك الناس سوى ان يرتجفوا رعباً وغيظاً واشمئزازاً واصراراً على أن الأرض للحياة ولمن يقدس معناها وجمالها، وليس للقبح وصانعي الموت أبداً. عائلة الشهداء اقامت يوم أمس الجمعة بيت عزاء للأطفال الخمسة، والمدارس الفلسطينية قرأت الفاتحة على أرواحهم ووقف زملاؤهم دقيقة حداد عليهم، وفي الأسبوع الأول من رمضان عصفت المصيبة بجميع أهالي قطاع غزة لهول الجريمة، بينما وبكل برودة دم وقف وزير الدفاع الصهيوني بنيامين بن اليعازر ليعرب عن «أسفه» لمقتل الأطفال الخمسة، محملاً أحدهم «مسئولية» ركل القذيفة التي انفجرت في الحال!! ومع هذا المشهد البشع الذي يختتم به جيش شارون أول أسبوع من رمضان، ما زال بيريز وحكومة اسرائيل مصرين على اشمئزازهم من برنامج «ارهابيات» الذي تعرضه قناة أبوظبي، معتبرينه بغيضاً ومعتبرين المحطة «هابطة المستوى وعنصرية»!! صحيح، إذا لم تستح فقل واصنع ما شئت!! aishasultan@hotmail.com