كان الشرق، ولا يزال عالماً ساحراً ومثيراً، يلهب أفكار السواد الأعظم من الغربيين ويستفز فيهم لغة البحث والمغامرة عن الأشياء الخفية والمستبدة، فقد عرفوه من خلال الأساطير واللغة والتاريخ وفواصل الجغرافيا وتقاطعاتها المحيّرة، وخطوط الطول والعرض وبقايا السحنة السمراء المكدودة والمتعبة. ومازالت ادبياتهم تتحدث بتلك اللغة القديمة والنظرة الموغلة في التفاصيل العتيقة التي أسستها أحاديث شهرزاد ولياليها الساحرة. ظل الشرق بالنسبة لأولئك القوم القادمين من العالم البارد مثيراً، ومغلقاً، لا يبوح بأسراره الخفية مهما كانت الظروف، فالجرح مختزل والصوت خفيض والمشاكل الدفينة لها ألف حكيم. ورغم ذاك الانكشاف التكنولوجي الذي فرض جبراً، وذاك التواصل الحثيث مع العالم الخارجي، واللحاق بركب العلم والتكنولوجيا وتطبيق نظم ومعايير العولمة مازال الشرق شرقاً قديماً بالنسبة للفكر الغربي، دفيناً، مثيراً ومملوءاً بالأسرار الخفية. وحتى لا نقف هنا وسط هذه الرؤية الواحدة لصورة العربي وشكله في دواخل الغربيين نتجه الى جاك شاهين الذي رصد هذه الظاهرة الواضحة وأخرجها في كتاب صدر في الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً يحمل اسم «العرب الأشرار في السينما.. كيف تشوه هوليوود أمة» والكتاب يرصد بشكل مثير كيفية صناعة إلصاق الشر بشكل مدروس ومتواتر بالعرب، وتصوير العربي على أنه متخلف وخطر عند النظر إليه عبر عدسات هوليوود المشوهة. وقال شاهين إن تأجيج الكراهية والجرائم التي ارتكبت ضد الأمريكيين العرب والمسلمين بعد احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة أكدت أهمية محاربة الصور النمطية التي تظهرها هوليوود وتساهم بها بشكل كبير لتشويه صورة الانسان العربي. وكانت هوليوود قد تحولت بشكل مخيف إلى العرب ليلعبوا دور الشرير في افلامها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، فقد بحث هؤلاء عن عدو جديد يلبّسونه الشر فوجدوه في العرب الذين لم يكن لديهم منظمات مماثلة كما يقول ريتشارد شيكل الناقد السينمائي بمجلة التايم ـ لعصبة مناهضة التشهير لكي تثور وتحتج عندما تقدم هذه الصور النمطية، إلا أن ديفيد ماك الخبير بشئون الشرق الأوسط يرى ان كتاب جاك شاهين مخيف لان الافلام والتلفزيون يشكلان الرأي العام الأمريكي.. ورغم ذلك نشير إلى أن هناك هوساً غربياً قديماً بالتورط في كل ما هو شرقي وقد أطّرت الكتب المثيرة للرحالة الغربيين ذاك الهوس بمبالغات كثيرة، وقمة ذاك الهوس هو وجود الأنثى الغربية في قبضة الرجل الشرقي. وربما نتذكر جميعاً الاثارة الاعلامية الغربية التي أحدثتها عملية خطف الأجانب في اليمن قبل سنوات وردود الأفعال حولها، فقد كُتِبت حكايات وروايات ووضعت أفكار حول الستار الشرقي بداية من لورنس العرب مروراً بعمران خان وجميما جولد سميث وديانا سبنسر ودودي الفايد، وأصبحت حكاية خطف كاثلين سبنس الاسترالية مادة جديدة في المسلسل الغربي عن الاثارة في الشرق. لقد احدثت سبنس بحكايتها فكراً جديداً حيث فتحت أبواب هواية جديدة للغربيات اللاتي أردن الشهرة والاثارة من خلال عمليات خطف يتعرضن لها، فبعد ان إنهالت الاغراءات على كاثلين لشراء حقوق حكايتها أصبح هناك هوس لدى الفتيات بأن يذهبن إلى أماكن يتم من خلالها خطفهن لمعايشة الواقع بحلاوته ومرارته. وكانت كاثلين قد أوكلت والدها لدخول مزايدة على قصتها فمن يدفع أكثر يحصل على أكثر، حيث تزاحمت المجلات النسائية وصحف التابلويد ومحطات التلفزيون والاذاعات كلها تريد أن تحظى بمقابلة البطلة!! وهنا أدركت كيري لوريمر وهي وكيلة سياحية حسناء بعد أن رأت التسابق المثير من وسائل الاعلام على كاثلين أدركت ضرورة التدخل للمساهمة بقصتها فاتصلت بصحيفة «استراليان» واخبرتها في مقابل مبلغ مجهول ما حصل معها في اليمن قبل ستة أشهر من حكاية كاثلين عندما نزلت ضيفة على دليل سياحي يمني للاحتفال بعيد ميلادها، حيث جاء ثلاثة مسلحين وطلبوا من الدليل تسليمها لهم لكنه رفض وتدخل أفراد من أسرته لطردهم، بعدئذ طوقت الشرطة المنزل واطلق افرادها النار ثم اعتقلوا شقيق الدليل وبقيت هي 24 ساعة أسيرة المنزل والمفاوضات جارية من دون ان تفهم ما يحصل. ولا ندري حتى الآن هل استطاعت الحسناء كيري ان تبيع حكايتها مع الوحش لاحدى الصحف او تحولها الى فيلم سينمائي أم ان الصفقة باءت بالفشل؟! الذي نعرفه من خلال متابعاتنا الصحفية ان تلك الهواية أصبحت هوساً غربياً وان كاثلين سبنس اشترت من صفقة هوايتها المثيرة بيتاً وجمعت ثروة من خلال بيعها قصة خطفها لاحدى دور الكتب الاسترالية الكبرى.. ربما كانت القصة تعج بالخرافات والأخيلة والمشاهدات الكاذبة لكنها تظل هواية لمن لا هواية له، فما دام أرشيف الذاكرة الغربية عن الشرق يعتمد على الوحش والحسناء فسيظل هكذا إلى أبد الآبدين!