لو كنا في عصر ما قبل البث الحي بالأقمار الصناعية الذي ينقل الصورة والصوت من نقطة جغرافية ما إلى العالم بأسره في آن واحد مخترقا الحدود بين البلدان والثقافات لما انزعجت اسرائيل كثيرا من برنامج «ارهابيات» الذي أنتجته قناة أبوظبي الفضائية ويقدمه يوميا الفنان الكويتي داوود حسين. عصر البث التلفزيوني الحي بالأقمار الصناعية، أو «عصر الفضائيات» اختصارا، بدأ عند أواخر ثمانينيات القرن الماضي. ولو جاء برنامج «ارهابيات» خلال عقد السبعينيات مثلا لما استطاع المشاهدون التقاطه في كافة أنحاء العالم العربي بما في ذلك جمهور المشاهدين في الأراضي الفلسطينية الخاضعة للاحتلال الاسرائيلي.. وبالتالي لما كان لقادة اسرائيل سبب كافٍ للانزعاج. البرنامج يندد بأسلوب ساخر بالقمع الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني ويقدم ارييل شارون، صدقا وعدلا، كشخصية دموية ذات فظاظة وقسوة بلا مثيل. ويبدو ان البرنامج اجتذب بسرعة ملايين المشاهدين العرب من الخليج إلى المحيط بما في ذلك الضفة الغربية وغزة بالاضافة إلى ملايين العرب الآخرين المقيمين في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وغيرها لما يتميز به من فن السخرية السياسية اللاذعة والاخراج الرصين. ولو قدم البرنامج قبل عصر الفضائيات لما تعدت دائرة مشاهدته الجغرافية منطقة الخليج العربي أو جزء منها. ومدى الشعور العميق بالانزعاج المشوب بالخوف الذي استبد بأذهان القيادات الاسرائيلية ـ رغم اننا بصدد برنامج تلفزيوني واحد وليس حملة منظمة ـ يعكسه تعليق لنائب وزير الخارجية الاسرائيلية ميكايل ملكيور رأى في البرنامج بداية لظهور «نمط إسلامي جديد من معاداة السامية». ولن ندرك البعد الكامل لهذا الخوف إلا اذا استذكرنا ان نائب وزير الخارجية اليهودي هو أولا حاخام وثانيا انه على رأس هيئة اسرائيلية حكومية يطلق عليها «منتدى تنسيق مكافحة معاداة السامية». وبهذه الصفة الثانية قال ملكيور ان المنتدى يعتبر برنامج قناة أبوظبي «معاديا للسامية ويعكس ثقافة تحرض على الحقد وتذكر بحقبات قاتمة من التاريخ». ولننظر للانزعاج الاسرائيلي في اطاره الأوسع. فقبل بضعة أسابيع هددت القيادة الاسرائيلية بحظر استقبال قناة «الجزيرة» القطرية التي يتلقى المشاهدون في اسرائيل ارسالها بنظام «الكيبل» بعد ان رصدت الأجهزة الاسرائيلية المختصة مدى الاقبال المتنامي عليها من بين جمهور «عرب 48». والتهديد الاسرائيلي لفضائية «الجزيرة» مقترن بتهديد أمريكي مماثل للقناة نفسها بعد ان تحقق لها انفراد بنقل تغطية اخبارية مباشرة لآثار وتداعيات المرحلة الأولى من الحرب الامريكية في أفغانستان مما هيأ ملايين العرب والمسلمين في الولايات المتحدة الاستغناء عن مشاهدة الشبكات التلفزيونية الامريكية. لقد ابتدع الغرب تكنولوجيا البث الحي بالأقمار الصناعية ايذانا بعصر العولمة الاعلامية بمعنى نشر حالة من الاحتكار الاعلامي الغربي بمستوى عالمي كامل استكمالا للعولمة الاقتصادية. لكن الغرب يدرك الآن ان العولمة الاعلامية تحديدا يمكن أن تعمل أيضا في الاتجاه المعاكس. هذا ما اكتشفته الآن اسرائيل والولايات المتحدة. فالعرب في الأراضي المحتلة وداخل اسرائيل نفسها لم يعد من الممكن حبس أذهانهم. وبنفس القدر لم يعد من الممكن للولايات المتحدة مواصلة استيعاب الأجيال الصاعدة والتالية للعرب والمسلمين المقيمين في الأراضي الأمريكية في الثقافة الأمريكية. فقد صار متاحا للفضائيات العربية بفضل البث المباشر عبر الحدود والحواجز كسر الاحتكار الاعلامي والثقافي الأمريكي. وهذا هو مغزى التخوف الاسرائيلي من برنامج «ارهابيات» فهو يوحي بتخلخل ركائز عصر العولمة الاعلامية.