تم اقرار الدستور الأمريكي عام 1878 ومازال معمولا به الى وقتنا هذا، بعد أن أدخل عليه أربعة وعشرون تعديلا فقط. وقد كفل هذا الدستور للمواطن الأمريكي حقوقا مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة. وهذا ماجعل شطرا معتبرا من الفكر السياسي والفقه الدستوري، يتخذ من الحالة الأمريكية نموذجا قياسيا يستحق الاحتذاء، خاصة بشأن كيفية صيانة الحريات الفردية، بدون التعدي على حقوق المجتمع والآخرين. وبفضل ميزات أخرى، على صعيد الفرص الاقتصادية والعلمية، والانفتاح امام المهاجرين من كل الملل والنحل والأعراق والاقاليم.. والموارد الهائلة التي تستحوذ عليها، أصبحت الولايات المتحدة مناط اعجاب الكثيرين في جهات الدنيا. وقد ظل هذا النزوع قائما وفوارا، حتى بين يدي قوى وقطاعات اجتماعية اعتادت على توجيه النقد للسلوك السياسي والثقافي الأمريكي على الصعيد الدولي. وهذه ظاهرة كانت ومازالت تدعو للدهشة. فبعض قياديي الجنوب وزعماء الحركات الثورية من مناهضي السياسة الأمريكية على مدار الساعة، لم يجدوا حرجا في ارسال ابنائهم الى الجامعات والمعاهد الأمريكية. حدث ذلك مثلا بالنسبة لقياديين في منظمة التحرير الفلسطينية! ثمة مؤشرات أخرى قوية الدلالة على تلازم الاعجاب بالتجربة النظامية الأمريكية جنبا الى جنب مع الامتعاض من تجلياتها، الخارجية بالذات. فكثير من منتقدي السياسة الخارجية لواشنطن، لا ينكرون ما يتيحه لهم النظام الأمريكي من امكانيات للتأثير على هذه السياسة انطلاقا من الداخل الأمريكي ذاته. وقد اكتسبت هذه النظرية انصارا تزايدوا بوتيرة متسارعة خلال العقدين الاخيرين في العالم العربي. ومن قناعاتهم ان التأييد الأمريكي اللامحدود لاسرائيل مرده قدرة اللوبي اليهودي الصهيوني على تفهم هذه الامكانيات واستغلالها بامتياز. وغالبا ماتساءل هؤلاء عما يحول دون الاقتداء بهذا العمل اليهودي المنظم لصالح القضايا العربية؟ الاعتقاد الشائع الآن، ان هذه النظرية قد تلقت ضربة قوية حتى من قبل ان ترسخ اقدامها فمنذ 11 سبتمبر راح سقف الحريات السياسية والمدنية يضيق ويهبط في الولايات المتحدة. ولأسباب كثيرة، تتعلق بجوانب تاريخية وثقافية ودينية واستراتيجية وسياسية، ليس هذا مقام التفصيل حولها، فإن النفوذ العربي البازغ في الداخل الأمريكي قد تعرض للتآكل السريع والاحتواء أكثر من غيره، ومن المفهوم تماما، كيف أتاحت تداعيات الأزمة الأمريكية الاخيرة، مجالا للوبي اليهودي الصهيوني، كي يمارس دوره التقليدي في التصدي للمصالح العربية على الساحة الأمريكية، في بيئة مواتية له®. حيث العداء للعرب والمسلمين داخل أمريكا وخارجها على أشده. لكن الذي انتكس في غمرة هذه الأزمة ليس فقط نفوذ اللوبي العربي الاسلامي الأمريكي، وهو في المهد صبيا، وانما ايضا واساسا نظام الحريات الذي رعته التجربة الأمريكية على مدى القرنين الماضيين. ومن هنا يثار السؤال عما اذا كانت هذه الانتكاسة الديمقراطية العامة، يمكن ان تطال نفوذ اللوبي الليهودي الصهيوني بدوره ولو في أجل لاحق؟ تأتي مشروعية هذا السؤال وضرورة التأمل فيه، من كون الديمقراطية الأمريكية، بأبعادها الدستورية وغير الدستورية المشار إليها، هي التي سمحت لهذا النفوذ بالكينونة والانتشار. وقد ثبت أن اعلاء الأمن القومي الأمريكي على ماعداه من مصالح فئوية، يجرح من فعل اللوبيات بدون استثناء اللوبي اليهودي. لقد جاء وقت هدد فيه بنيامين نتانياهو بحرق واشنطن اذا ماأقدم الرئيس بيل كلينتون على ممارسة ضغوط بحق اسرائيل، وكان ذلك كناية عن حجم سطوة هذا اللوبي الذي فضل مصالح اسرائيل على المصلحة الأمريكية العليا في الأوقات العادية. غير انه حين حاول أرييل شارون تجاوز المنظور الأمريكي للأمن القومي إبان أزمة مابعد 11 سبتمبر، جوبه بصدود أمريكي، الأمر الذي اضطره الى الاعتذار غير مرة في حديث واحد من ربع ساعة. يفهم من ذلك، أن النظام الأمريكي يقبل بهامش واسع لحركة اللوبيات وجماعات الضغط النوعية، طالما لم تتعارض أهدافها بشكل ظاهر وسيرورة المصالح القومية الأمريكية. فيما يبدي هذا النظام غضبه ويرفع راياته الحمراء اذا ماحدث مثل هذا التعارض. وقد لاحظنا انه في أوقات الخطر، تصبح يد السلطة التنفيذية أكثر طلاقة وقدرة على التصدي لبرامج اللوبيات، بما يحجم طاقة هذه الأخيرة مهما بلغ شأنها في مؤسسات الدولة. ويصدق الأمر ذاته على الصعيد الشعبي، اذ لماذا لا نفترض أن يؤدي تصاعد الميول العنصرية بين سواد الأمريكيين، الى اطلاق الرؤى العنصرية بزواياها الدينية ضد العناصر اليهودية؟. لقد حدث شئ من هذا التطور السلبي بحق العرب والمسلمين في حمأة الأزمة المتفاعلة، فما الذي يحول دون تكراره، في اطار معطيات وظروف معينة اخرى، بحق العناصر اليهودية؟ هل يعني ذلك كله، انه لا مصلحة لاسرائيل وعصابة اللوبي المناصر لها داخل الولايات المتحدة في اذكاء النزعات العنصرية ضد الآخرين، كالعرب. والمسلمين؟ ربما كان هذا صحيحا، لا سيما اذا ما انطلق التحليل من منظور الأجل الطويل. فهذه النزعات حالة مرضية، قد لا يتمكن المصابون بها من استخدامها على نحو انتقائي أو عقلاني. وان تمكنت هذه الحالة من المجتمع الأمريكي، فقد لا تستثني من عواقبها السلبية الجماعة اليهودية في وقت ما. ان انقلاب السحر على الساحر يمكن أن يصدق على هذه الجماعة، فلا عصمة لأحد من اخطاء السياسة. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة