سقطت فجأة دولة الطالبان المتحالفة مع ابن لادن، وعبرت المفاجأة عن نفسها في سرعة السقوط وحدة التغيير، اذا لم يقاتل الطالبان حتى النهاية كما وعدوا، كما ان الولايات المتحدة لم تهزم كما سبق وان هزمت بريطانيا والاتحاد السوفييتي في ظل ظروف دولية سابقة. بل كان واضحا منذ بداية الحملة الامريكية ان الطالبان ومنظمة القاعدة لن يصمدا امام حدة الهجوم الامريكي وامام الاجماع الدولي وامام اندفاع المعارضة الافغانية الشمالية. المشهد الذي تبلور امامنا ليس جديدا على عالمنا العربي والاسلامي، ففي كل حرب كبيرة هناك شعارات اكبر منها وهناك بنفس الوقت سقوط سريع لايقل عمقا عن قوة الشعارات، فهذا ما حصل عام 67 وهذا ما وقع مع العراق بعد يومين من القتال ابان حرب تحرير الكويت، وهذا ما وقع في احداث عديدة في شرقنا العربي. ومع سقوط نظام الطالبان في كابول انقلب كل شيء الى نقيضه، فقد خرج سكان كابول الى الشوارع فرحين بسقوط النظام الذي حجز حرياتهم ودفع بهم الى العزلة الاقليمية والدولية وبدأت النساء بالعودة الى اعمالهن بعد ان منع الطالبان المرأة من العمل، وبدأت المرأة تنزع النقاب الذي فرض على كل امرأة، وبدأ الناس بشراء الصحون التي تستقبل البث الفضائي الذي كان ممنوعا، وبدأت محطة التلفزة الافغانية تبث لاول مرة منذ سنوات، وبدأت الحياة تدب في المجتمع من جديد بعد انقطاع طويل، مع خروج النظام من كابول تبين ان حالة من العنف في ظل حكم الطالبان سادت افغانستان، وتبين بنفس الوقت بأن الطالبان مارسوا كرها موجها ضد سكان المدن انطلاقا من نظرتهم السوداوية للمدينة وللمدينة باعتبارها مرتع للفساد والانهيار لا مركز النهضة واساس المستقبل والبناء. ومع انهيار نظام الطالبان في افغانستان والمتحالف مع مجموعات من العرب الخارجين عن قوانين بلادهم ومجتمعاتهم، نجد ردة فعل كبيرة ضد العرب وتدخلهم تسود اليوم المجتمع الافغاني برمته، فبالنسبة للافغان وقعت كل هذه الكارثة بسبب المهاجرين العرب الغرباء عن البلاد والقادمين من بلدان عربية مع ابن لادن وغيره ممن يمتلكون قدرات مالية تسمح لهم بتمويل الطالبان واستخدام افغانستان وتطويعها كما يحلو لهم. وفي نهاية اليوم يقدر الافغان للعرب وقوفهم ضد الاتحاد السوفييتي ومساعدتهم لهم ابان الاحتلال، ولكنهم لا يقدرون دعمهم لنظام الطالبان وتحويل افغانستان الى مقر للحرب الدائمة والعنف الدائم الذي لا نهاية له ضد العالم، ويعتبر الافغان بأن العرب سببوا لهم حربا كبيرة ودمارا وحالة مؤسفة، وهو ما يسبب ردة فعل سلبية في افغانستان تجاه العرب، ففي المناطق المحررة من حكم الطالبان يكفي ان تكون ناطقا باللغة العربية لتكون هدفا للغضب الشعبي والملاحقة والاتهام. لقد عانى الشعب الافغاني منذ زمن الاحتلال السوفييتي في الثمانينيات مرورا بمقاومته لهذا الاحتلال فالحرب الاهلية بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي ثم بسيطرة الطالبان ومنظمة القاعدة، ويؤكد الدرس الافغاني ان البلدان التي تحقق اهدافها بتحرير اراضيها من احتلال اجنبي كما حصل عند انتصار افغانستان ضد الاحتلال السوفييتي، يجب ان تنطلق نحو التعليم والبناء والتنمية، لا التحول نحو الحرب والعنف واهداف لا تمت بصلة لحقوق البلاد ومستقبلها. ان انتصار تحالف الشمال في الحرب الدائرة بقيادة الولايات المتحدة يقدم فرصة تاريخية لافغانستان قد تسمح ببداية جديدة، ان خلاص الشعب الافغاني من حكم الطالبان ومن تحكم منظمة القاعدة من العرب الافغان يفتح الباب لدعم الشعب الافغاني في مجال التعليم والتنمية، آن الآوان لرفع الايادي عن افغانستان ولفصل قضايا افغانستان عن القضايا التي لم ينجح العرب في التعامل معها او حلها، بل الاصح ان الاوان لوقف تصدير مشكلات العالم العربي الى مجتمعات مجاورة تدفع ثمن ما لا نقبل ان ندفع ثمنه في مجتمعاتنا. ـ استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت