لأول مرة في تاريخ العلاقات الإسبانية البريطانية عقدت حكومتا البلدين اجتماعا بين وزيري خارجيتيهما الثلاثاء الماضي في برشلونة، وعلى مائدة المفاوضات نقاط محددة للنقاش وفي الرؤوس أفكار محددة أيضا للتخلص من مشكلة «مستعمرة جبل طارق» التي تسمم العلاقات بين البلدين منذ ما يقرب من ثلاثة قرون، وزادت حدتها في بعض الأحيان إلى درجة الوصول إلى التهديد بالحرب بين البلدين. اجتماع الأسبوع الماضي لم يكن جديدا في ما اعتاد عليه المراقبون السياسيون خلال السنوات الست عشرة الأخيرة التي أعقبت دخول أسبانيا عضوا في السوق المشتركة الذي تكون بريطانيا أحد أركانه الاساسية، على الرغم من وجود جانب كبير من الشعب البريطاني رافضا للاندماج الكامل في القارة الأوروبية، بل الجديد كان في أن البلدين عندما أعلنا عن اجتماعهما سربا إلى وسائل الإعلام ما يدل على أن هناك أفكارا محددة سوف يتم طرحها للمناقشة للوصول إلى حل لمشكلة جبل طارق التي تعتبر آخر المستعمرات في أوروبا إن لم تكن آخر المستعمرات في العالم. لكن المشكلة التي قد تواجه أي تفاهم بين الحكومة المحافظة اليمينية في أسبانيا والحكومة العمالية في بريطانيا ليس الاختلاف الأيدلوجي بين توجه كل حزب حاكم في كلا البلدين، بل المشكلة تكمن في شعب المستعمرة نفسه، حيث ينص الدستور الذي وضعته بريطانيا للحكم الذاتي في المستعمرة عام 1969 على أن أي انتقال للسلطة على أراضيها يجب أن يمر عبر البوابة الفاصلة بين المستعمرة وإسبانيا، أي عبر الدستور الذي يحكم المستعمرة والذي ينص على أن شعب جبل طارق من حقه تقرير مصيره، وهذا يسمح له استخدام حق النقض «الفيتو» ضد أي قرار يتم التوصل إليه بين البلدين، وذلك من خلال استفتاء عام يجب ان يجري داخل أراضى جبل طارق. مشكلة جبل طارق بدأت عام 1713 بموجب اتفاقية «اتوريشت» التي وقعتها بريطانيا مع الحكومة الأسبانية وقتها والتي تنص على الاعتراف بأن جبل طارق أرض إسبانية، لكنها تظل تحت السيطرة الفعلية للحكومة البريطانية، ولا تعود إلى إسبانيا إلا في حال إخلائها كمستعمرة. منذ ذلك الحين استخدمت بريطانيا «صخرة جبل طارق» كما يسمونها كقاعدة عسكرية بحرية لتسهيل مهمة قواتها البحرية في منطقة الشرق والبحر المتوسط، ثم مع تطور الزمن تحولت إلى أهم قاعدة عسكرية في غرب المتوسط، لا تقدم خدمات بحرية فقط لبريطانيا، بل تحولت إلى قاعدة بحرية وجوية مهمة في إطار التعاون العسكري للدول الحليفة لبريطانيا. وبعد قرارات الأمم المتحدة بتصفية الاستعمار حاولت إسبانيا الدخول في مباحثات سياسية مع الحكومات البريطانية المتعددة لإعادة جبل طارق إلى السيطرة الإسبانية بموجب قرارات تصفية الاستعمار، لكنها كانت تصطدم دائما بالرفض البريطاني البات بعدم التحدث عن هذه المشكلة، ولم يعد أمام أسبانيا سوى المطالبة الدائمة بهذه المستعمرة خلال الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى أصبحت هذه المطالبة تقليدا دبلوماسيا معروفا مسبقا قبل وقوف المندوب الإسباني على المنصة لإلقاء كلمة بلاده. إلا أن الجنرال فرانكو في أواخر سنواته على قيد الحياة والحكم اتخذ قرارا بإغلاق «البوابة» الوحيدة التي تربط أراضى جبل طارق بالأراضي الاسبانية للضغط على سكان المستعمرة، وكان ذلك في عام 1969، وكان لهذه الخطوة آثارها السياسية والاقتصادية السلبية على العلاقة بين إسبانيا وبريطانيا، وبين سكان مستعمرة جبل طارق ذاتها والحكومة الإسبانية، فقد أدى إغلاق هذه البوابة إلى ربط اقتصاد المستعمرة بالاقتصاد البريطاني بشكل نهائي، ودفع السياسيين المحليين إلى استبعاد أي تفاهم مع إسبانيا يعيدهم إلى سلطتها، وربما كان هذا هو السبب الرئيسي وراء وضع بند رئيسي في دستور المستعمرة يضع تقرير مصير شعبها بندا أساسيا في أي تفاهم مستقبلي بين السلطتين البريطانية والإسبانية. بعد رحيل فرانكو وعودة الديمقراطية إلى إسبانيا عادت مطالبة إسبانيا بالانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة، وكانت العقبة التي تقف دون انضمام إسبانيا المعارضة التي كانت تبديها بريطانيا بسبب ما تسميه «حصار جبل طارق» الناتج عن إغلاق البوابة الرئيسية التي تربط بين أراضى المستعمرة والأراضي الوطنية الاسبانية، وحتى يمكن تخطي هذه العقبة قررت الحكومة الإسبانية الديمقراطية فتح البوابة الحديدية عام 1982. وبعد انضمام إسبانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة عام 1986 بدأت تلح على الحكومة البريطانية في فتح حوار حول وضع مستعمرة جبل طارق، ولكن الرد الذي كان دائما بالنفي بدأ يلين، وأمكن عقد عدد من اللقاءات بين وزراء خارجية البلدين إلا انه لم يتم التوصل إلى اتفاق ينهي المشكلة. إلا أن الخطوات السياسية التي بدأت تتخذها السوق الأوروبية نحو اندماجها في وحدة سياسية لتشكيل «الاتحاد الأوروبي» كانت تحتم على البلدين التخلص من تلك المشكلة التي تقف عائقا أمام العديد من المشروعات الأوروبية لتحقيق مزيد من التكامل الاقتصادي بين أراضى وشعوب الدول الأعضاء. من تلك المشروعات استخدام وسائل المواصلات الجوية، فكانت إسبانيا ترفض أن تكون أجواء جبل طارق ضمن المناطق التي يشملها التنسيق الأوروبي، لأنها ترى أن تلك الأجواء خاصة بها ولن تسمح بضمها إلى النطاق الأوروبي إلا بعد إنهاء السيطرة البريطانية عليها وإعادتها إلى السيطرة الإسبانية. أيضا كانت الحكومة الإسبانية تعيق أي مشروعات بريطانية في المستعمرة لتحسين مواصلاتها خاصة الجوية، لأنه نظرا إلى ضيق المساحة التي تقع عليها المستعمرة فان مطارها الوحيد لم يعد كافيا لاستخدام الطائرات الحديثة، وأي عملية تحسن فيه لا بد وأن تمر بالأجواء الإسبانية الملاصقة. مع مرور الوقت كانت تمر العلاقات بين البلدين بالعديد من مراحل التوتر والفتور التي تنعكس على علاقاتهما كأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي، واصبح من المطلوب تنقية تلك العلاقات من أي شوائب حتى يمكن السير معا إلى مزيد من الاندماج في الاتحاد. مع أواخر الحكومة الاشتراكية الإسبانية برئاسة فيليبي جونثالث تم طرح مشروع ما سمي «السلطة المشتركة» على المستعمرة لفترة محددة، يتم بعدها تصفية السلطة البريطانية نهائيا، لكن حكومة المحافظين برئاسة جون ميجور رفضت هذا الاقتراح، واعتبرته تحايلا من جانب إسبانيا على الوضع، لأنه سيؤدي في النهاية إلى إبعاد بريطانيا عن المدخل الإستراتيجي الغربي للبحر المتوسط. الغريب أنه مع انعكاس توجهات الأحزاب الحاكمة في كل من بريطانيا وإسبانيا، بتولي حزب العمال بقيادة أنتوني بلير الحكم في بريطانيا، وتولي الحزب اليميني برئاسة خوسيه ماريا ازنار الحكم في إسبانيا، بدأ الفتور في العلاقات بين البلدين يتحول إلى علاقات «دافئة»، وبدأ كل من رئيسي وزراء البلدين ينادي كل منهما الآخر بصفة «الصديق». ثم كانت أحداث الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن لتقرب أكثر بين بلير وازنار، خاصة بعد أن اندفع رئيس الوزراء البريطاني باتجاه الولايات المتحدة وأصبح صوتها في أوروبا، وتبعه خوسيه ماريا أزنار في كل خطواته، وان حاول أحيانا أن يسبقه في تبعيته للولايات المتحدة، إلا أن ردود أفعال جورج بوش الابن كانت رافضة لكل عروض رئيس الوزراء الاسباني، سواء بالمشاركة في العمليات الحربية بقوات عسكرية، أو حتى تقديم الدعم السياسي، ويقول المراقبون أن ثقة بوش في بلير أقوى من ثقته في أي سياسي أوروبي آخر، وربما لهذا السبب كان رئيس وزراء إسبانيا يقدم دعمه لخطوات بلير السياسية والعسكرية بلا تحفظ لعله يؤكد من خلال هذا الدعم على موقفه المؤيد لكل السياسات الأمريكية بلا تحفظ. عن هذا «الدفء» في العلاقات بين بريطانيا وإسبانيا نتج واقع جديد، هذا الواقع الجديد بدأ يصب في جهود إيجاد حل سريع لمشكلة مستعمرة جبل طارق، حيث أكد وزير الخارجية الإسباني جوزيب بيكيه قبل اجتماع برشلونة، أن حلا نهائيا سيتم التوصل إليه خلال عام واحد على الأكثر. سكان تلك المستعمرة الصغيرة الذين لا يزيد عددهم على ثلاثين ألف نسمة ينتمون إلى أصول عرقية متفرقة ما بين بريطانيين وعرب وهنود وباكستانيين، ودياناتهم مختلفة من أول الكاثوليكية والأرثوذكسية إلى الإسلامية واليهودية والهندوسية، يعرفون أنهم يمثلون مركزا عسكريا استراتيجيا مهما نظر لتحكم المستعمرة في المرور الملاحي ما بين المحيط الأطلنطي والبحر الأبيض المتوسط. لكن تلك المستعمرة أصبحت تمثل مشكلة في السنوات الأخيرة بعد أن تم فتح الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي المختلفة، ولم تعد لها الأهمية الاستراتيجية ذاتها التي كانت تمثلها بالنسبة لبريطانيا، لأنه يمكنها أن تعتمد على تلك الأهمية في ظل نقل السلطة الفعلية فيها إلى أسبانيا، فهما عضوان في الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلنطي مما يجعل مصالحهما مشتركة، وأيضا في ظل التغيرات الدولية التي أجبرت بريطانيا على التخلي للصين عن «هونج كونج» التي يزيد عدد سكانها على سبعة ملايين نسمة أصبح من المقبول تخلي بريطانيا عن جبل طارق. بل ان تلك المستعمرة أصبحت تشكل مشكلة ليس لبريطانيا وحدها، بل وللاتحاد الأوروبي كله بعد أن تحولت خلال السنوات الأخيرة مستقرا للعديد من مافيا تهريب المخدرات السجائر، وتحولت بنوكها إلى مستقر لعمليات غسيل الأموال مما يهدد الاقتصاد في العديد من الدول الأوروبية المجاورة. وربما لهذه الأسباب مجتمعة يمكن أن تتخلى بريطانيا عن سلطتها على جبل طارق وتعيدها إلى إسبانيا، ولكن يبدو أن هذا لن يكون سهلا في ظل معارضة سكان المستعمرة وتمسكهم بحرفية ما ينص عليه دستورهم بحقهم في تقرير مصيرهم وهو حق -كما يقول الوزير الرئيسي للمستعمرة «بيتر كاروانا» تضمنه القوانين الدولية، إلا أن المراقبين السياسيين يرون أن ساعة انتقال السلطة على مستعمرة جبل طارق إلى إسبانيا قد حانت، لأن هذا حق تقرير المصير الذي يتمسك به سكان جبل طارق قد يواجه عقبة أن الأمم المتحدة لا تعترف به، لأنها تعتبر جبل طارق مستعمرة يجب إخلاؤها تطبيقا لقوانين تصفية الاستعمار. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا