في عام 2001 اصبح الصوم اسهل من أعوام مضت، وأقل مشقة على المؤمن من سنوات سابقة، والسبب ليس قصر النهار وطول الليل، وليس ان رمضان صادف في فصل الشتاء وليس في نوعية الطعام التي تعدل علمياً باستمرار. هذه السهولة مفادها وجود اكثر من خمسين محطة فضائية عربية تبث مواد مسلية ومسلسلات وفوازير ونكات واخبار مهلبية مع أبلة زكية تجعل ليل الصائم نهاراً ونهاره نوماً، حيث يضع رأسه على المخدة في الخامسة صباحاً ليستيقظ في الحادية عشرة ظهراً راشقاً الماء الى عينيه باحثاً عن مفاتيح سيارته ليحط رحاله في العمل وقد تكدست الأوراق وتعطلت الاشغال، وحيث سيمضي ساعتين من الثرثرة في مجريات حلقة الأمس من مسلسل علي بابا والأربعين نائم ويمضي بعدها الى البيت مستخدماً طرقات بديلة ليتجنب الازدحام وسرعان ما يستلقي على أقرب سرير يصادفه ليكمل رحلة النوم اللذيذة حتى الخامسة بعدها يتناول طام الافطار على أنغام خمسين محطة فضائية وليبدأ من جديد رحلة سباق المسلسلات العربية على الفضائيات الرمضانية! هذا السيناريو حوّل شهر الصوم الفضيل الى مسألة مادية يثرى منها اصحاب القيل والقال وأهل حكايات النص كم وأذكياء برامج حزر فزر، فتمتلئ كروشهم بقريشات الغلابة الذين لا يجدون مفراً من تقليب المحطات عبر الريموت كونترول التي تطاردهم بالفانتازيا التاريخية أو بقصص الحواري التي لا تحدث في عالم ألف ليلة وليلة وفي احسن الأحوال سيسأل مذيع نحرير متسابقاً فهلوياً عن الاسم الحقيقي للراقصة شهلوبة اللهلوبة، وسيجيب الفهلوي بسرعة البرق «عطيات بربع» وسيقول له المذيع النحرير: برافو عليك الجواب صح، لقد فزت معنا بأغنية: حبك قتال وهجرك مصايب. وبحسبة بسيطة يمكن القول ان الفضائيات الرمضانية قلصت مدة الامتناع عن الأكل والشرب الى رقم قياسي: فإذا كان المتسابق ـ عفواً ـ الصائم ينام حتى الحادية عشرة صباحاً ومن ثم ينام من الثانية حتى الخامسة مساء يعني انه يمضي بمعدل ساعتين الى ثلاث ساعات يومياً صائماً وهذا يعني ان الفضائيات العجيبة اجتهدت في شأن عظيم وخربت ساعة الانسان البيولوجية ولولا بقايا حياء آفل لأصابت المؤمن في عقيدته بعدما اصابته بلوثة في عقله. ان ما يحدث كل سنة من تهريج واسفاف في المحطات الفضائية خلال شهر رمضان يحتاج الى وقفة حازمة وليس انتقاداً مكتوباً او مجرد احتجاج شفوي، فما قلناه في هذه الزاوية قاله آخرون في مواقع اخرى، لكن دون جدوى. وما تعليقنا على ما يجري سوى حجرة في جدار الأخلاق والقيم الذي لن يكتمل الا بتكاتف الايدي والضمائر، لأن الفضائيات العربية خربت ثقافة الأجيال ودمرت ذائقة الناس وها هي ـ ومنذ سنوات ـ تقترب من العقيدة، ولن تفتأ حتى تصيبها بضرر. H-S-D@maktoob.com