على امتداد النظر، تتابع العينان وهي تجول في مناطق الجنوب اللبناني المحرر، مناطق شاسعة مسيجة بالأسلاك ومرفوع عليها لوحة تحذير مرعبة تقول: احذر حقول ألغام!! هذا تحديداً ما يمكنه ان يرعب الناس، وان يسلب طمأنينة الأمهات على أولادهن، والزوجات على أزواجهن، وحتى الرعيان على قطعانهم، فهناك يندس الموت الذي ينفجر أمامك فجأة بينما تحط قدمك لترفع الاخرى!! هذه واحدة من مخازي (اسرائيل) التي استحقت عليها جائزة نوبل للسلام!! 30 ألف لغم زرعتها (اسرائيل) خلال سنوات احتلالها للجنوب اللبناني، وماذا فعلت ايضاً؟ سرقت الأنهار وحولتها لصحراء النقب فجفت محاصيل الجنوب وازدهرت زراعتها هي، جعلت الثمار تذبل وتتساقط على الأرض دون ان تسمح للمزارعين بقطفها وبيعها، احرقت بساتين الليمون والبرتقال، اجتثت اشجار الزيتون، وشيدت معتقل الخيام بكل ارهابه وما يحتويه من جبروت وفظائع، لتسلب عنفوان الحياة وارادة حب الأرض من قلوب الناس، لكنها فشلت وبشكل فاضح! حقول الألغام في جنوب لبنان، واحدة من أكثر ما يواجهه لبنان من تحديات ما بعد التحرير، انه التحدي الذي يقف بوقاحة ليختطف الحياة ويلقيها في العدم، انه تحدي البقاء والعمل والتنمية والتعليم والذهاب الى الأفضل، فـ (اسرائيل) لا تريد لأحد ان يكون أفضل ابداً! لم أصدق حينما سمعت، لكنني حينما جالت بي السيارة في طرقات منطقة الجنوب رأيت وصدقت وآمنت، وشعرت بأن مبادرة الامارات لنزع الألغام من الجنوب اللبناني هي اكثر المبادرات وقوفاً مع انسانية الانسان هناك، ومع حقه في الحياة، ومع كل التزامات الاخوة والتعاون ومناهضة المشروع الصهيوني الخبيث. 30 ألف لغم وربما اكثر وزعتها (اسرائيل) في مناطق شاسعة هناك وراح ضحيتها الكثيرون بين موتى ومعاقين، ولكل هذه الألغام والمناطق خرائط توزيع تمتلكها (اسرائيل) بطبيعة الحال، لكنها ترفض تماماً تسليمها للجهات المكلفة بنزع الألغام، ولذلك فالاعتماد حالياً سيكون على المكتب الوطني اللبناني لنزع الألغام، والأمم المتحدة حيث توجد لديهم 70% من المعلومات حول هذه الحقول، مع بقاء 30% تحت رحمة من لا يعرف الرحمة! لقد تكفلت الامارات بمشروع قوامه ملايين الدولارات اضافة الى جهود شاقة للمتابعة والتقصي، والسعي لدى المجتمع الغربي للضغط على (اسرائيل) لتسليم الخرائط، وهو مشروع من أهم مشاريع اعادة الاعمار والبناء الذي يحتاجه لبنان وبشكل لا خلاف عليه، ولذلك فإن ايمان الامارات ممثلة بصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بكل قواعد وأواصر العلاقات العربية العربية يدفع وبقوة في اتجاه انجاز هذا المشروع الكبير في أسرع وقت ممكن من بداية العام المقبل.. ولبنان يحتاج جنوبه المحرر لمبادرات تسير على الخط نفسه فمن يبادر؟ aishasultan@hotmail.com