عاد امراء الحرب الى قواعدهم كما كان عليه الحال في عام 1992: رباني رمز الطاجيك في كابول .. ودوستم رمز الاوزبك في مزار الشريف .. واسماعيل خان رمز الشيعة في هيرات ورغم انك ستقول لنفسك انك شاهدت هذا الفيلم من قبل الا انك سرعان ماتتساءل: اين رمز قومية البشتون، القومية الافغانية العظمى التي هي بمثابة قومية الانجلو ساكسون في الولايات المتحدة؟ بتراجع حركة طالبان في وجه اندفاع امريكي شرس بالطائرات من الجو وقوات الكوماندوز على الارض، باتت قومية البشتون بلا زعامة مركزية وكأنها جسد بلا رأس. وهذا مؤسف، فالبشتون هم القومية الافغانية المنفتحة اكثر من غيرها على الامة الاسلامية والمرتبطة بهمومها وهواجسها ولذا فان تقلص دورها في مسرح الصراع الافغاني سوف يؤثر سلبا على حركة المد الاسلامي العالمية بصورة او باخرى. فالى متى تبقى هذه القومية الكبيرة بلا قيادة مركزية في مرحلة حساسة يشتد فيها التصارع بين القوى الافغانية بمشاركة قوى خارجية لتحديد الخريطة السياسية المستقبلية لافغانستان؟ لفترة ما بعد طرد الجيش السوفييتي وتصفية نظامه العميل في كابول بواسطة فصائل المجاهدين الافغان عام 1992 وما قبل ظهور حركة طالبان الى حيز الوجود السياسي في عام 1994، كانت قبائل قومية البشتون موحدة تحت راية «الحزب الاسلامي» بزعامة قلب الدين حكمتيار. وبعد ان شارك هذا الحزب بصورة فاعلة، في حكومة المجاهدين الائتلافية واتضح انه يتبنى أجندة اسلامية راديكالية معادية للولايات المتحدة، ضغطت واشنطن على باكستان لاقصائه ومحاربته، لكن واشنطن، بمعرفتها الضحلة بخفايا الصراع الافغاني، لم تكن لتدرك ان التنظيم الشبابي البشتوني الذي خلف «الحزب الاسلامي»، وقد كان يتكون قياديا وقاعديا من خريجي المدارس الدينية، كان ذا اجندة اسلامية اشد راديكالية من حزب حكمتيار. قيادة هذا التنظيم الشبابي ـ اي «طالبان» ـ كانت من الذكاء السياسي بحيث انها اخفت اجندتها الاسلامية الموجهة بالضرورة ضد الولايات المتحدة التي رأت فيها اكبر واخطر عدو معاصر للاسلام والامة الاسلامية خلال فترة كفاحها المسلح ضد فصائل المجاهدين، فلم تكشف اوراقها الا بعد تسلم السلطة في عام 1996. وربما يختلف فقهاء المسلمين في تقييم نظام حكم طالبان بالمعايير الاسلامية، لكنه كان قطعا افضل من سابقه على الاقل بمعايير الفوضى الافغانية، ان كان للفوضى معايير. فقد كان عهد استقرار امني اشاع حدا ادنى من النظام والانضباط وقمع الجريمة وحظر زراعة الافيون. وربما لن نعرف القيمة التاريخية لسلطة طالبان الا في المستقبل، اذا تجددت الحرب الاهلية بين الفصائل المختلفة. لكن مما لا شك فيه الآن ان غياب طالبان كحركة وتنظيم عن المعترك السياسي يعتبر ضربة لقومية البشتون. مع ذلك لن يبقى البشتون، في تقديري، بلا زعامة مركزية لفترة طويلة فالتسابق المحموم الجاري حاليا بين الفصائل الافغانية حول الحكم والمستقبل السياسي، كفيل ببعث يقظة في صفوف ابناء اكبر قومية افغانية على الاطلاق سوف تفرز حتما قيادة مركزية جديدة. ان قبائل البشتون الآن مشتتة . وزعاماتها القبلية متناحرة في تنافسها للفوز بتركة طالبان من الولايات والمدن والاراضي، في الوقت الذي تتهيأ القوميات والفصائل الاخرى للمشاركة في مؤتمر يعقد في برلين تحت اشراف الأمم المتحدة لتقرير مصير الحكم في افغانستان. وبينما ستكون كل من هذه القوميات والفصائل ممثلة بقيادة موحدة، فان قومية البشتون سوف تكون في اغلب الظن ممثلة بقيادات وشخصيات مختلفة ومتشاجرة ضد بعضها البعض مما سوف يضعف موقفها. ان مثل هذه التطورات هي التي سوف تنبه قيادات البشتون المختلفة الى خطورة وضعها جميعا، واذا ادى استشعار الخطر الجماعي الى اعادة الوحدة لهذه القومية الكبيرة، فانه سوف تخرج من بين صفوفها زعامة جديدة قد تكون قيادة طالبان بالمقارنة معها معتدلة.