في المقر الرئيسي لجامعة الدول العربية بالقاهرة، وبدعوة من امينها العام «عمرو موسى»، يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين (26 و 27 نوفمبر)، اجتماع يضم خمسين من المفكرين العرب والمسلمين، للتداول في اساليب مواجهة الحملة التي تعرض لها المسلمون في الغرب، بعد احداث الثلاثاء الدامي، بهدف تصحيح الصورة الخاطئة، التي راجت بحسن او بسوء نيّة عن الاسلام، ونسبت اليه، انه دين يصادر حريات البحث العلمي والابداع الادبي والفني، ويحض اتباعه على رفض الاخر، ويحل لهم استخدام العنف مع الاغيار من اتباع الديانات والافكار الاخرى، حتى لو كانوا من المسلمين الذين يتبعون مذهباً اسلامياً او مدرسة فقهية مختلفة. يأتي هذا الاجتماع في سياق اعلان عمرو موسى ـ في ذروة الغارة على الاسلام والمسلمين في الغرب ـ عن اعتزام الجامعة العربية القيام بجهد مخطط على جبهة الفكر والثقافة والاعلام، للتأكيد على ان العلاقة بين الحضارات والثقافات، هي علاقة حوار لا صدام. ومن المفهوم، ان الاجتماع، الذي يعقد خلال الاسبوع المقبل، هو خطوة اولى، سوف تتبعها خطوات، وانه سوف يتناول الشكل لا المضمون، فالمدعوون للمشاركة في مداولاته، وهم من المفكرين المسلمين المتخصصين في مجالات ثقافية مختلفة، سوف يتداولون حول اساليب وادوات التحرك، بافتراض ان هناك اتفاقاً عاماً بينهم، على ان العلاقة بين الحضارات، هي علاقة حوار وتفاعل، وليست علاقة قتال وتصادم. تلك مبادرة، لا نملك الا ان نرحب بها، باعتبارها خطوة في الطريق الصحيح، على الرغم من ان خطتها الكاملة لم تتضح بعد وعلى الرغم مما قد يكون لنا، او لغيرنا، عليها من تحفظات، او بمعنى ادق، اضافات، فالطريق الذي طوله الف ميل، يبدأ بخطوة صحيحة واحدة، وفضلاً عن ذلك، فمن الوارد ان تتطرق مداولات هذا الاجتماع، او اجتماعات لاحقة الى تحديد بقية الخطوات، وان يناط به، او بهيئة تنبثق عنه، رسم خطة متكاملة، تتناول الشكل والمضمون، وتحقق الهدف منها، وهو تصحيح فكرة الغرب عن الاسلام والمسلمين، سواء تولدت عن سوء الفهم، او نشأت عن تحريض المتربصين بهما. ومن الوارد في هذا السياق، ان تتوصل مداولات الاجتماع الى مقترحات تدعو الى القيام بحملة علاقات عامة، واسعة النطاق ومتواصلة، تغطي الولايات المتحدة الامريكية ومعظم دول اوروبا، وتستخدم كل وسائل الاعلام والاتصال، شبيهة بتلك الحملة التي قامت بها امريكا وبريطانيا خلال الاسابيع الاخيرة، لكي تواجه تعاطف اقسام عريضة من الرأي العام العربي والاسلامي، مع ابن لادن وطالبان، بأنها حملة ضد الاسلام. ومن الطبيعي ان يتخوف البعض، من ان يكون الاجتماع مجرد تسديد خانة، انطلاقاً من ان الجامعة العربية، ليست لها ارادة مستقلة عن ارادة حكومات الدول الاعضاء، وبالتالي فإن ماسوف يتوصل اليه من مقترحات، سوف يظل رهين حسابات السياسات الداخلية والخارجية بل والمالية لتلك الحكومات، تتعاون وتسخو في دعم تنفيذ ما يحلو لها منها، وتتقاعس وتبخل وتعرقل ما لا يتفق منها مع حسابات المصالح السياسية وغير السياسية. تلك مخاوف مشروعة، ثم انها تكاد تكون مؤكدة، صحيح ان هناك دولاً عربية تنفق مئات الملايين من الدولارات، على نشر الدعوة الاسلامية، بما في ذلك اقامة المساجد وتزويدها بالائمة والوعاظ، كما تنفق بسخاء على فقراء المسلمين في الاقسام الفقيرة من العالم الاسلامي، الا ان ذلك كله امر يختلف تمام الاختلاف عن الفكرة التي طرحها عمرو موسى، وعن جدول اعمال الاجتماع التداولي الذي ينعقد لتدارسها خلال الاسبوع المقبل. تجنب الفخ نحن باختصار أمام موضوع لا يمكن ان ندلف اليه من باب الوعظ او الاحسان اذ الباب الوحيد الذي يمكن ان ندلف اليه منه، هو الباب السياسي، وتلك هي المعضلة، التي دفعت الذين اقترحوا جدول اعمال الاجتماع، الى الهرب من الموضوع الى الشكل، ومن مناقشة الحملة الغربية على الاسلام، الى الدخول فوراً في اساليب مواجهتها. والحقيقة اننا لا نستطيع ان نبحث في اساليب المواجهة من دون ان نحلل خطاب الحملة ضدنا اولاً، ومن دون ان نحدد المسئولية عنه، ثانياً لنعرف هل يقوم هذا الخطاب على اكاذيب يسهل علينا تفنيدها، او انه يستند الى حقائق، يتوجب علينا ان نسعى لتغييرها، وما مدى مسئوليتنا وحجم وطبيعة القصور في ادائنا في كل حالة. والحديث عن تحديد المسئولية، ليس من الامور المستحبة لدينا نحن العرب والمسلمين، خاصة اذا كان سوف ينتهي بتعليق فأسها في رقبة الذين يبحثون في الموضوع، ثم ان هذا التحديد لا ضرورة له من الاصل، فاسرائيل موجودة، وامريكا متوفرة، واوروبا اكثر من الهم على القلب، وهم منفردون ومجتمعون مسئولون عن كل كارثة تحدث لنا، او مصيبة تحيق بنا، من النكبة الى النكسة، ومن ام المعارك الى الثغرة، ومن الثلاثاء الدامي الى عاصفة الصحراء،... الخ، اذ من الثابت تاريخياً، انهم يتآمرون علينا، ويغارون منا، ولا يخافون من احد ـ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ـ الا منا، بحكم ما حققناه من تقدم حضاري، في كل مجال، جعلنا «الخطر الاخضر» الذي يرتعبون من مجرد ذكر اسمه، ولا يكفون طوال الوقت عن رسم الخطط والمؤامرات، لتعطيل زحفه. ذلك فخ متقن لخداع النفس، حفرته لنا تيارات فكرية غربية ارتفع صوتها منذ انتصار الثورة الايرانية، فيما بات يعرف الان بـ «الاسلاوفوبيا» اي تكثيف الخوف لدى المواطن الاوروبي من الاسلام والمسلمين، وتصويرهم باعتبارهم وحوشاً بدائية تتربص بالغرب وتسعى لتدمير حضارته، وهي فكرة تصاعدت في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية اللذان كانا يقومان بدور البعبع المخيف للمجتمعات الغربية الرأسمالية، منذ انتصار الثورة الشيوعية عام 1917. وكما انه لا خطأ في القول ان هناك عوامل مصطنعة ومصالح سياسية وراء اشاعة هذه الفكرة، من بينها سعي اسرائيل والحركة الصهيونية لتأجيج العداء للعرب والمسلمين في الغرب، حتى تحتفظ بانحيازه ودعمه لها، باعتبارها قاعدة غربية متقدمة، تدافع عن مصالح الغرب وقيمه تحاصرها شعوب بدائية معادية له، ومن بينها محاولة ايجاد «عدو بديل» للاتحاد السوفييتي تتوحد حول العداء له، شعوب الغرب، فلا خطأ ـ كذلك ـ في القول بان تصديقنا لها، وتصرفنا على اساس انها حقيقة قد اصابنا بمركب نفسي هو مزيج من جنون العظمة. وجنون الاضطهاد. وهكذا بلع بعضنا الطعم، واشاع الاعتقاد بأن حضارتنا ـ في وضعها الراهن ـ افضل لانها حضارة روحية اخلاقية، وليست مادية منحلة، كما هو الحال في الغرب، وتوهموا بأننا نشكل بالفعل خطراً ماحقاً عليه، وعاد هؤلاء الى الماضي ليعيشوا في «يوتيبيا رجعية»، تجتر قرون ازدهار الحضارة العربية الاسلامية، التي كان العرب والمسلمون خلالها يشكلون تحدياً حقيقياً للحضارة الغربية التي كانت لاتزال غارقة في ظلمات القرون الوسطى ... وتسلطت الفكرة عليهم، حتى تحولت الى حالة مفاخرة من الغرور القومي اقرب ما تكون الى جنون العظمة.. من دون ان ينتبهوا الى خطأ ما يقيسون عليه، بعد ان انقلب الوضع الذي كان قائماً في العصور الوسطى، فانهارت حضارتنا، بينما ازدهرت الحضارة الغربية، ومن دون ان يقرأوا واقع العرب والمسلمين اليوم، والا لادركوا ان بلادهم الفقيرة والمتخلفة والتي تعاني من الجوع للطعام وللعلم وللعدل وللحرية، لا يمكن ان تشكل اي تحد حضاري للغرب، او ان تخيفه. وكان لابد وان يتولد عن التناقض بين واقع العرب والمسلمين، وبين احلام اليقظة التي غرق فيها هؤلاء الذين بلعوا الطعم الغربي، وتصوروا انهم يشكلون خطراً على الغرب، تلك الوساوس المتسلطة عليهم، بان كل ما يحدث لهم من مصائب وكوارث ونكسات وهزائم، يأتي من هذا الغرب، الذي تفرغ لهم، وانشغل بصد خطرهم الوهمي عليه، بحيث لم يعد لدى قادته ما يشغلهم الا وضع الخطط التي تكفل له الانتصار على العرب والمسلمين، حتى لا يدمروا حضارته. وهذا المركب النفسي الذي يجمع بين جنون العظمة وجنون الاضطهاد هو احد اهم العوامل وراء موجة التزمت الديني التي ينطلق اصحابها من اليقين بأن ما يسمونه تخلي العرب والمسلمين عن اصول دينهم في منابعه الاولى، وتسلل الفكر الغربي والتنظيمات وانماط السلوك الغربية اليهم، هو الذي جلب عليهم الوهن والضعف، لانه احد تجليات المؤامرة على الاسلام، مما يقود فصائل منهم، الى ممارسة العنف ضد الحكومات الاسلامية، لانها ـ في رأيهم ـ لا تحكم بما انزل الله، او لانها تحالف الغرب او تتعاون معه، ثم ممارسته ضد هذا الغرب، الذي تصطلح على تسميته ب«الغرب الصليبي»، ليعطي كل ذلك مدداً جديداً، للذين اصطنعوا في الغرب خرافة الخطر الاخضر. واذا كان من الخطأ تجاهل حقيقة ان وراء الحملة الغربية، ضد الاسلام والمسلمين ـ فضلاً عن العوالم السياسية المصطنعة ـ عناصر افرنجية متعصبة او عنصرية، فمن الخطأ ـ كذلك ـ ان نتجاهل مسئوليتنا، او على الاقل مسئولية بعضنا عن امداد تلك الحملة، بالادلة والقرائن، التي تستطيع ان تستخدمها للبرهنة على صحة ما ما تنسبه الينا. وربما تكون الاوضاع البائسة التي يعيشها العرب والمسلمون في الولايات المتحدة وبعض دول اوروبا، بعد احداث الثلاثاء الدامي، والتي لم تقتصر على الاحتكاكات اليومية، بل ووصلت ـ في امريكا وبريطانيا ـ الى احد تقنين المعاملة الاستثنائية لهم، وراء حرص الامين العام للجامعة لعربية، على ان يركن الاجتماع، على الاقتراحات العملية والتنظيمية، لشن حملة مضادة وسريعة، لعلها تخفف عنهم بعض ما يواجهونه، او تحول ـ على الاقل ـ دون تدهور الموقف. عقدة التداخل لكن ذلك لا يعني ان المشكلة اعقد من ان تحل بجملة علاقات عامة مهما كان اتساعها، لان جوهرها، يكمن في الافتقاد اصلاً لخطاب عربي واسلامي، يمكن ان يقنع الغرب، بخطأ ما يشاع فيه من تصورات عن الاسلام والمسلمين، بسبب بسيط وواضح، هو ان الخطاب الراهن ـ بصرف النظر عن مدى اسلاميته ـ يؤكد هذه الشكوك، ولا ينفيها. ومما يزيد المشكلة تعقيداً، هو ذلك التداخل بين الخطاب الاسلامي الذي يصور عن المؤسسات الدينية الرسمية في معظم انحاء العالمين العربي والاسلامي، وبين الخطاب الذي يصدر عن الجماعات الاسلامية، سواء كانت معتدلة او متطرفة، ومع ان احداً لا ينكر التباينات في موقف هذه المؤسسات والجماعات، من كثير من الامور الفقهية والسياسية، بما في ذلك التباين في موقفها من احداث الثلاثاء الدامي، الا ان الحدود فيما بينها تكاد تتلاشى اذا ما تعلق الامر، بالقضيتين المحوريتين، اللتين تستند اليهما الحملة الغربية ضد الاسلام. اما القضية الاولى، فهي القضية التي تتعلق بالدولة المدنية الدستورية، التي تتخذها معظم الدول الغربية اساساً لنظامها السياسي، وهي دولة تقوم على اساس احترام حقوق المواطنة، والمساواة بين كل مواطنيها في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن الوانهم وانواعهم واديانهم وعقائدهم السماوية او الارضية، انطلاقاً من قاعدة ان المواطنين طالما يتساوون في التكاليف العامة، وهي التجنيد الاجباري ودفع الضرائب، فلابد للحكومة ان تضمن لهم كل الحقوق والحريات العامة، من الحقوق في الترشيح والانتخاب وتشكيل ـ والانضمام الى ـ الاحزاب السياسية، الى الحق في تولي الوظائف العامة وفي التظاهر والاضراب، ومن حرية الصحافة والنشر والابداع الادبي والفني الى حرية العقيدة ـ الدينية والارضية ـ وحرية ممارسة الشعائر الدينية. باختصار فإن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ الامة مصدر السلطات، وبالتالي، فلابد وان تكون دولة علمانية، او غير مذهبية، فهي لا تنحاز الى احد الاديان، او المذاهب الدينية او الارضية، التي يعتنقها او يؤمن بها رعاياها، ولا تميزهم في الحقوق والواجبات، ومهمتها الاساسية هي ادارة الحوار بين كل الاطراف، وتحتكم الى صندوق الانتخاب، لكي تحدد الامة السياسة التي تنتجها الحكومة، لا العقيدة التي تؤخد بها. ذلك تصور يكاد يكون هناك اجماع بين كل المؤسسات الرسمية، والهيئات الشعبية، ذات الطابع الاسلامي على رفضها، وعلى الاخذ بنظرية الحاكمية التي تقوم على تفسير خاص للآيات القرآنية التي تفكر او تحكم بفسوق من لم يحكم بما انزل الله، وهو المنطق الذي يقف وراء حملة المنتمين لتيار الاسلام السياسي، على اختلاف مواقفهم، وحملة المؤسسات الدينية الرسمية، على العلمانية، وهي حملة تقرب بينها وبين الالحاد، ومع ان هؤلاء يزعمون عادة انهم ديمقراطيون، الا انهم يتجاهلون عادة، ان العلمانية ـ في معناها السياسي ـ هي مبدأ الامة مصدر السلطات، الذي يكفل للشعب الحق في ان يشرعوا لانفسهم، بانهم، ما يوافق زمانهم، وهو لا يعني الخروج عن مقاصد الشرائع السماوية. اما القضية الثانية فهي قضية موقف التيار الاسلامي ـ الرسمي والشعبي ـ من حرية العقيدة، فالاصوات التي تذهب الى ان الاسلام لم يضع اي قيود على حرية العقيدة، وان النصوص القرآنية صريحة في كفالة حق الانسان في ان يختار عقيدته، لاتزال قليلة، لان التيار السائد في الحركة الاسلامية المعاصرة، يصادر على هذا الحق، على نحو ظاهر، يلح ـ احيانا ـ على تطبيق حدّ الردة على الذين يمارسونه، او حتى يدافعون عنه. هاتان قضيتان محوريتانه، يستغلهم الغربيون الذين يحرصون على الاسلام والمسلمين، في الحملة عليهما، وهما تتطلبان جهداً فكرياً، ينتهي بأن نصوغ بشأنهما موقفاً جديداً، لا لكي نتواءم مع الغرب، وندافع عن انفسا وعن ديننا امامه، مع انه لا عيب في ذلك، بل اساساً لان لنا مصلحة، في ان تتحول الدول العربية والاسلامية، الى دول مدنية عصرية، تستمتع بما يتمتع به الغرب من حرية وديمقراطية. خلاصة القول، ان الحملة المضادة للخطاب الاوروبي والامريكي المعادي للاسلام والمسلمين، لا تتطلب ـ فقط ـ البحث عن وسائل وادوات، بل تتطلب اساساً البحث عن خطاب اسلامي جديد، حتى لا نظل اسرى لذلك الخطاب الذي يتراوح بين جنون العظمة.. وجنون الاضطهاد ـ كاتب مصري