منذ ثلاثة اسابيع، اشرنا في هذه الزاوية الى احتمالات شهر العسل الجديد الذي توقعناه بين روسيا وأمريكا وخاصة في ضوء التطورات التي استجدت بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي على الارض الامريكية. ولم نكن بالطبع نحاول الرجم بالغيب بقدر ما كنا نمارس قراءة، موضوعية، قدر الامكان لطبيعة الاحداث ونوعية هذه التطورات وما يمكن ان تفضي اليه من مستجدات العلاقة بين خصمين كانا بالامس لدودين وكان الروسي منهما يتوقع انهيار غريمه الرأسمالي في اطار حتمية تاريخية وتحليل ديالكتيكي الى آخر ما كانت تقول به رطانة الدوغما الايديولوجية ايام الشيوعية السوفييتية . فيما كان الخصم الامريكي يرد هذه «التحايا» اضعافاً مضاعفة بعد ان صاغ الرئيس الاسبق ريجان، اوصاغوا له الوصف الشهير للاتحاد السوفييتي بانه امبراطورية الشر والظلام. جاسوس محترف سابقا راحت ايام الحرب البادرة مع زوال الخصم السوفييتي وحلت محلها حقبة قلقة خلال وجود بوريس يلتسين على رأس نظام فاسد مهترئ في الكرملين الموسكوفي الى ان تولى زمام الامور في روسيا الجديدة فلاديمير بوتين فاذا بتباشير الربيع تبزغ في علاقة واشنطن مع موسكو واذا بالرئيس الروسي الذي طالما نعت عليه الميديا الامريكية بانه مجرد «جاسوس محترف سابق» في اشارة غمز ولمز الى ماضي بوتين في قيادة المخابرات السوفييتية ايام الشيوعية (الكي. جي. بي) اذا بالسيد بوتين وقد سلطت عليه اضواء الترحيب خلال زيارته الاخيرة للولايات المتحدة ولقاءاته المتنوعة مع الرئيس بوش خلال الايام العشرة الاولى من شهر نوفمبر الحالي، وقد وصفناها عامدين بانها «متنوعة» لانها جمعت بين اجتماعات ومفاوضات رسمية في البيت الابيض حول قضايا خطيرة في مقدمتها معاهدة الحد من الاسلحة الاستراتيجية (آي. بي. ام) وبين دعوات خلوية في ولاية تكساس وهي موطن الرئيس بوش وقاعدته التي انطلق منها الى حلبة السياسة في بلاده حيث ساد روح الانطلاق بين رجل الكرملين ورجل البيت الابيض وربما رفعت الكلفة ولا سيما خلال حفلات الغداء او العشاء التي حرص المضيفون على ان تستكمل كل مظاهر الترحيب الشعبي او التراثي بالضيف القادم من بلاد الثلوج والضباب فاذا بالحفلات تضم ايضا استعراضات او تابلوهات لرعاة البقر، الكاوبوي التي تشتهر بهم ولاية تكساس. وماكنا ـ علم الله ـ لنولي كل هذا الاهتمام لزيارة الرئيس الروسي لامريكا وقد غصت باخبارها وسائل الانباء والاعلام ـ الا لاننا لاحظنا ان ثمة بعدا مهمان من ابعاد هذه الزيارة والمحادثات والمفاوضات التي شملتها لم ينل من الوسائل المذكورة ما يستحقه من اهتمام، وفي كل حال فهذا البعد له اهميته الخاصة بالنسبة لمنطقتنا العربية لانه يتعلق بقضية البترول والانتاج والتسعير والعلاقات بين المنتجين لهذه السلعة الاستراتيجية وبين المستهلكين. اهمية البعد البترولي ولان قضايا نزع السلاح ومحاربة الارهاب كانت على رأس اولويات التغطية الاعلامية لمحادثات بوتين ـ بوش ـ فقد كان البعد البترولي للمحادثات خافتا ان لم يكن غائبا وربما كان ذلك امرا متعمدا بحكم حساسية الشأن البترولي بالنسبة للسوق او الاقتصاد العالمي بشكل عام. 3 مواقف محورية ونحاول ان نعالج امر هذا الشأن البترولي من خلال محاور اساسية ثلاثة هي 1ـ موقف روسيا 2ـ موقف المكسيك 3ـ موقف امريكا بالنسبة للمحور الاول يكاد موقف روسيا يتلخص في التصريح الذي ادلى به مؤخرا الناطق بوزارة الطاقة في موسكو واشار فيه الى الحاح منظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبيك) على روسيا ان تبادر الى اجراء مزيد من التخفيضات في انتاجها البترولي، ومن وثم في كميات التصدير ـ فأكد الناطق الرسمي الروسي ان بلاده ليست في عجلة من امرها بالنسبة لاجراء هذه التخفيضات. صحيح ان موسكو اعلنت في اوائل الشهر الحالي انها سوف تخفض انتاجها بواقع 300 الف برميل يوميا الا ان هذه النسبة لاتشكل سوى نسبة لا يعتد بها لفرط ضآلتها من الانتاج الروسي من البترول (اقل بكثير من واحد في المئة) وكأنما اكتشف المصدر الرسمي الروسي نهاية ان تحترم الدولة نفسها فاسترسل في تصريحه الى مندوب وكالة رويترز للانباء قائلا: ـ لا يمكن لاي دولة تحترم نفسها ان تتخذ مثل هذه القرارات (بالتخفيض) المتسرعة ومنظمة اوبيك تفهم تماما انه لا يمكننا ان نتخذ مثل هذه القرارات خلال 3 ساعات. وعن المحور الثاني جاء الانخفاض الحاصل، شبه المطرد كما نلاحظه في اسعار البنزين في امريكا بمثابة هدية غير متوقعة لها وقع نفساني ربما يفوق الاثر الاقتصادي او ربما يعادله بالنسبة للحالة الذهنية والوجدانية شديدة التوتر التي اصبحت سائدة في اوساط المجتمع الامريكي والمعروف ان الاقتصاد الامريكي كان قد بدأ يدخل نفق الركود المنذر بظاهرة الكساد من الربيع وبدايات صيف عام 2001 الحالي وقد تجلت هذه الظاهرة السلبية والبعض يعدها من الازمات الدورية او الهيكلية التي تصيب اي نظام رأسمالي .ـ في آفة الانكماش ابرز اصحاب قطاع الصناعات الالكترونية بالذات الحواسيب والشبكات والخدمات المقدمة بواسطة اجهزة الكمبيوتر والبرامجيات (سوفت وير) والمعدات (هارد وير) حتى ان منطقة سيلكون فالي التي كانت تعد العقل النابض والمركز المنتفض حيوية في هذا القطاع المستقبلي شهدت حالات افلاس واغلاق للمشاريع وادماج للشركات والاستغناء عن آلاف العاملين المؤهلين ثم جاءت نكبات سبتمبر لتزيد الطين طينا فأفضت الى تفاقم مشاكل البطالة وفقدان العمل ودمار المشاريع وتعطل الانشطة وخراب الهياكل الاساسية مما دفع الحكومة الفيدرالية كما هو معروف الى التدخل في حدود مئات المليارات فضلا عن دعوات مسئوليها، وعلى رأسهم رئيس الدولة شخصيا، الى ان يعود الناس الى حياتهم الاعتيادية بمعنى ان يخرجوا ويسافروا ويرتادوا المطاعم ويشتروا وينفقوا اموالا تعيد قدراً من العافية وتضخ قدراً من الحيوية في شرايين الاقتصاد نحن في زمن موسم الشراء السنوي مابين عيد الشكر في اواخر نوفمبر الى اعياد الميلاد ورأس السنة في ختام العام. هكذا جاءت انخفاضات اسعار البترول لتزيل قدرا من الكآبة النسبية، وربما المالية او الاقتصادية الى الحياة في الولايات المتحدة. وفضلا عن هذا العامل النفسي، مازلنا نلاحظ الدعوات المتكررة من جانب خبراء نفطيين وشخصيات سياسية ومواطنين مهتمين بالشأن العام وتكاد تتلخص في عبارة نشرها مؤخرا الملحق الاقتصادي الصادر عن مؤسسة نيويورك تايمز وتقول:علينا ان «نفطم» اقتصادنا عن الاعتماد المستمر والكثيف على واردات البترول الآتية من الخارج (وكثيرا ما يكون المقصود في مثل هذه السباقات هو بترول الشرق الاوسط). دور النائب تشيني ولقد اشرنا في مبحث سبق الى حزمة اجراءات وتدابير وقوانين الطاقة التي تم اعدادها تحت اشراف السيد ريتشارد (ديك) تشيني نائب الرئيس الامريكي ومعروف انه من كبار الخبراء في اقتصاديات الطاقة ومن المقرر ان تعرض هذه الحزمة على مجلس الكونجرس وسيكون من المفيد متابعتها عن كثب وبدقة من منظور مصالح منطقتنا العربية على اقل تقدير. مع ذلك فلن يفوت المحلل السياسي ان يتوقف بقدر من التأمل في مغزى القرار الذي اتخذه الرئيس بوش شخصيا وجاء على شكل «امر رئاسي» صادر بتاريخ 14 نوفمبر الحالي وموجه الى وزارة الطاقة وتقول بنوده مايلي: ـ يتم زيادة الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة الى اقصى سعة له على مدار السنوات القليلة المقبلة بهدف العمل في الأجل الطويل على تعزيز امن الطاقة للولايات المتحدة. وبعد صدور هذا المر .. بادر المحللون المختصون (ملحق بيزنس داي، 14/11/2001) الى التعليق على مغزاه: لاحظوا انها اول مرة يصار فيها الى ضرورة ملء الاحتياطي النفطي الامريكي الى اقصى سعة له وذلك منذ انشائه عام 1975. ثم وضعوا هذا الامر واجراءاته التنفيذية بانها ستكون بمثابة وثيقة او صك تأمين ضد اي انقطاع في تدفق النفط من مصادره في الشرق الاوسط. وربطوا بين هذا كله وبين الحرب التي قررت امريكا خوضها في افغانستان على اساس ان ظروف هذه الحرب وموجباتها ومتطلباتها اضفت اهمية عاجلة (بمعنى ان كانت سببا مباشرا او آنيا) دفع الى مثل هذا الاجراء. الاحتياطي النفطي الامريكي وبالمناسبة فقد تم انشاء احتياطي امريكا الاستراتيجي من البترول بعد تجربة الغرب خلال حرب الشرق الاوسط في اكتوبر بين مصر وسوريا واسرائيل وبعدها تجلت قدرات العرب . في مجالي العسكرية والسياسة لدرجة اعتبرهم المراقبون ايامها قوة عالمية لابد وان يحسب لها حساب. والاحتياطي البترولي الامريكي عبارة عن شبكة من المغارات والمستودعات المحفورة تحت الارض في ولايتي لويزيانا وتكساس ويقصد به اساسا تخفيف وطأة ارتفاعات الاسعار على المدى القصير او تقليل الاثر الذي قد ينجم عن اي انقطاع او تعطيل في تدفق امدادات النفط من مصادره فيما وراء البحار. تبلغ سعة الاحتياطي الامريكي 700 مليون برميل ولكنه يحوي الآن 545 مليون برميل وتلك كمية تكفي امريكا حسب معدل وارداتها الحالية لمدة 53 يوما في حال انقطاع امدادات البترول الواردة لها من الخارج ويضيف الخبراء ان اكبر سعة بلغها الاحتياطي الاستراتيجي الامريكي من كميات النفط كان 590 مليون برميل وكان ذلك في اوائل عقد التسعينيات وكان ذلك يكفي حسب معدلات تلك الفترة لاستهلاك السوق الداخلية الامريكية لمدة 82 يوما. اخيرا نأتي الى محور المكسيك وقد رصدنا تحركات نشطة لها في الايام القليلة الماضية سواء على المستوى الاقتصادي او على الصعيد الدبلوماسي وفي مقدمة هذه التحركات الاجتماع الذي تقرر في موسكو بين وزير الطاقة المكسيكي «ارنستو مارتنز» ووزير الطاقة الروسي «ايجور يوسونوف» ثم اجتماعات الوزير المكسيكي لبحث شئون البترول مع نظيره ومع مسئولي الطاقة في النرويج. تكمن اهمية هذه التحركات والاجتماعات في ان الاطراف النفطية الثلاثة التي تشملها المكسيك وروسيا والنرويج تعد من كبار منتجي البترول من ناحية، فيما لا تدخل ضمن عضوية منظمة المنتجين اوبيك من ناحية اخرى فيما تكمن اهمية المكسيك بالذات في انها اكبر شريك تجاري في مجال البترول مع الولايات المتحدة جارتها الشمالية القوية فضلا عن مصالح المكسيك الحيوية، داخل امريكا ذاتها ثمة ثلاثة ملايين عامل مسكيكي مازالوا بانتظار تسوية اوضاعهم كمهاجرين بواسطة قرارات تصدر عن الرئيس بوش كما ان امريكا تستورد 80 في المئة من صادرات نفط المكسيك. مكسيكو ـ موسكو ـ اوسلو وليس من شك في ان المنتجين الثلاثة الكبار من غير اعضاء الاوبيك في مكسيكو وفي موسكو وفي اوسلو لهم مصلحة اساسية في التنسيق مع الولايات المتحدة المكسيك بحكم الجوار والمصالح وروسيا بحكم شهر العسل الذي اشرنا اليه والنرويج بحكم زمالتها لامريكا في اطار المحالفة والمصالح الغربية. وربما تعمد هذه الدول او تعمد واحدة منها او اكثر الى المبادلة بين مصالحها الاشمل مع امريكا وبين استجابتها لهذا رأت الاوبيك بخفض الانتاج من اجل الحفاظ على استقرار الاسعار والحيلولة دون وصولها الى وضع من التدهور. هل نحن اذن على ابواب مواجهة نفطية بين المنتجين من داخل الاوبيك ومن خارجها؟ رغم ان روسيا مازالت تظهر موقفا متصلباً وسلبيا في الوقت ذاته ازاء الاوبيك (مصالحها الاستراتيجية مع امريكا اوسع واشمل من قضية النفط) وبرغم ان مثل هذه المواقف قد تنطوي على اضرار اقتصادية للمنتجين وخاصة فيما يتعلق بمستقبل الاسعار، على نحو ما يقول «نيلا بانرجي وسابريناتا فرنيستي» في دراسة منشورة بتاريخ 15/11/2001 الا اننا نلاحظ اللهجة البناءه التي تعامل بها مع الموقف السيد شكيب خليل رئيس الاوبيك الحالي حين صرح قائلا: نحن لا نحاول اخضاع احد او الضغط على احد كل مانريد هو ان يتحلى الآخرون بروح المسئولية . ـ كاتب سياسي من مصر