لا أظن أديبا عربيا في القرن العشرين كان يخاطب القارئ في أعماله الابداعية، خصوصا القصة والرواية، بمثل ماتعود طه حسين أن يخاطب قراءه. كانت قواعد الكتابة القصصية المتبعة هي أن يختفي الكاتب تماما من السرد، وأن يبتعد تماما عن الأحداث، وأن يقف بعيدا محتجبا وراء الستار، يرقب الأحداث وهي تتدافع على نحو منطقي، ويترك العنان لشخصياته كي تستجيب الى الأحداث والى غيرها من الشخصيات كما يحلو لها، وكما تفرضه عليها طبائعها وتكوينها. وقد فعل أغلب ذلك المعاصرون لطه حسين، مثل العقاد الذي أخرج روايته اليتيمة (سارة) ليقص علاقة حب بين فتاة متقلبة ومفكر جاد راسخ كالصخرة، ومثل ابراهيم عبدالقادر المازني الذي اخرج ابراهيم الكاتب وابراهيم الثاني ممارسا الكتابة الروائية، ومعالجا موضوعا غير بعيد عنه، ولعله اختار اسم ابراهيم شخصية للبطل في روايته الأولى والثانية تأكيدا للنسبة الخفية بينه وبين ذلك البطل. وقد فعل ذلك توفيق الحكيم في روايات من مثل عصفور من الشرق وأهل الكهف وسبق الجميع محمد حسين هيكل بروايته زينب. كل هؤلاء وغيرهم حرصوا على الكتابة الروائية بهدف تأصيلها في التربية الأدبية، وكذلك بقصد تشجيع غيرهم من الكتاب على كتابة فن الرواية الذي أرادوا تطويره واشاعة الاستمتاع به، وتأكيد احترام القراء له. وكل هؤلاء كتبوا عن حياتهم في رواياتهم بمعنى أو غيره، ولذلك وصف مؤرخو الرواية رواياتهم بأنها روايات سيرة ذاتية أو روايات ترجمة ذاتية ولكن كل هؤلاء جميعا حرصوا على الوقوف خلف الستار في أغلب - ان لم يكن كل - الأحوال، ولم يقطعوا السرد ليحدثوا القارئ مباشرة بعيدا عن السرد القصصي، فلم يتركوا الأحداث ليعلقوا للقارئ عليها، ولم ينفصلوا عن شخصياتهم الروائية ليقدموا حولها أفكارهم الخاصة أو ملاحظاتهم الخارجية. وكل هؤلاء كان حريصا على ممارسة لعبة الايهام في الكتابة الروائية. وهي اللعبة التي تبنى على قاعدة مؤداها: أكتب كما لو كان القارئ غير موجود، وأكتب لتنطق شخصياتي مستقلة عني، وأكتب لتمضي الأحداث حسب منطقها السببي الخاص. ولكن طه حسين لم يفعل مافعله هؤلاء جميعا، أو حتى مافعله كثيرون جدا غيرهم من كتاب الفن الروائي، فتدخل بين الشخصيات والقارئ، وقطع السرد أكثر من مرة ليدلي بآراء الى القارئ، وأوقف الأحداث ليعلق عليها أو يشرحها شرحا مباشرا للقارئ. ويبدو طه حسين كما لو كان متمردا على قواعد لعبة الايهام التي يدخلها، ولا يقبل منها الا مايجعل القص يستمر، ومايسمح له أن يكون موجودا في القص، وأن يخاطب القارئ مباشرة غير عابئ بقواعد لعبة الايهام القصصي التي تتطلب اختفاءه تماما بعيدا عن القص. وكانت قد لفتت هذه الظاهرة انتباهي وأنا اقرأ النتاج القصصي لطه حسين. وسواء كان المقروء شجرة البؤس أو المعذبون في الأرض أو أديب أو دعاء الكرون أو غير ذلك، فالظاهرة موجودة ملحة، وهي الحرص المتعمد على تدمير لعبة الابهام القصصي، والالحاح على ظهور المؤلف من وراء ستار السرد ليقطع الأحداث ويقف امام الشخصيات ليحادث القارئ على النحو الذي يحلو له غير عابئ بما أطلق عليه من قبله قواعد الفن القصصي. وأسباب ذلك عديدة في تقديري. أولها هو نزعة التمرد التي انطوى عليها طه حسين، والتي جعلته يؤثر السير عكس التيار دائما. وقد فعل هذا على مستوى الدرس الأدبي، حين تحدى المناهج الازهرية وتمرد عليها وانتقل من الازهر الى الجامعة الاهلية الحديثة، وفعل ذلك حين جعل موضوع أطروحته للدكتوراه في الجامعة المصرية الاهلية عن شعر أبي العلاء المعري سنة 1914، وكتب عن فلسفته ما آثار رجال الدين، وفعل ذلك حين أقام الدنيا ولم يقعدها باصدار كتاب في الشعر الجاهلي سنة 1926 وفعل ذلك حين تحدى المشروعات الثقافية القائمة وصاغ رؤيته الثقافية التي تؤسس لانتماء الثقافة المصرية الى ثقافة حوض البحر المتوسط سنة 1938 وفعل ذلك حين انحاز الى الفقراء، مدافعا عنهم في الأربعينيات، وفعل ذلك حين تولى وزارة المعارف وجعل التعليم كالثقافة مجانيا، ومن حق أبناء الوطن جميعا كالماء والهواء. وأتصور أن نزعة التمرد ظلت تتوهج في أعماق طه حسين ما كانت تدفعه الى التمرد على الأوضاع الثابتة للمجتمع في جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية فحسب. وانما كانت تدفعه بالقدر نفسه الى التمرد الأدبي، ومن ثم عدم الاستجابة الى الاعراف الأدبية، والتمرد على قواعدها المعمول بها أو المقبولة من الجميع. والسبب الثاني المهم في تقديري هو شخصية طه حسين الطاغية، وهي شخصية أقوى من كل قواعد، شخصية تجسدها أنا قاهرة مهيمنة، متمردة، جاذبة بكل معنى الكلمة. هذه الشخصية موجودة عند الناقد الذي كان يخاطب القارئ بعبارات من مثل: لم أحدثك عن هذه الراهبة البائسة السعيدة الا لأن حديثها أعجبني وراقني وأثر في نفسي في هذا الرأي وأن تشاطرني في هذا الحب وهذا الاعجاب. والعلاقة بين القارئ والكاتب الناقد في العبارات السابقة علاقة أعلى بأدنى، أستاذ بتلميذ، كاتب يعرف كل شيء وقارئ يتعلم. وتجليات هذه العلاقة وتحولاتها في كتاب طه حسين النقدية طريفة جدا، ودالة إلى حد بعيد، فأحيانا تأخذ شكل الحديث بين الأصدقاء الأكفاء، وأحيانا ثانية تأخذ شكل الحوار بين الأستاذ الشيخ والتلميذ الفتى، وأحيانا ثالثة شكل العارف بمن لا يعرف، وأحيانا أخيرة شكل الكاتب الذي يدرك أن القارئ الذي يتوجه اليه لن يعجب بما أعجب به لاختلاف الذوقين، ولكنه يخاطب القارئ بما يخبره على الاعجاب بما أعجب به الكاتب، حتى لو افترض هذا الكاتب عدم اعجاب القارئ. ولولا ذلك لما قدم طه حسين أحد الأعمال الأدبية الأجنبية الى القارئ قائلا: لست أدري أتعجبك هذه القصة! ولكن أعلم أنها أعجبتني، وربما كان لفظ الاعجاب دون ما أريد أن أقول. أعلم أني فتنت بها فقرأتها مرتين، وقلما أقرأ القصة مرتين، أعجبتني هذه القصة وأنا مع ذلك أشك أنها ستعجبك. أما السبب الثالث لهذه الظاهرة فهو عمي طه حسين، هذا العمى الذي فرض عليه أن يملي كتابته ولا يكتبها، فطه حسين كان مستعينا بغيره كما كان يحب أن يصف نفسه، وهو لا يجلس الى مكتبه ممسكا قلمه كما يفعل غيره من الكتاب، وانما يجلس الى جوار مكتبه الذي يحتله سكرتيره، أو من يملي عليه، ويأخذ في الكتابة بواسطة صوته الذي يؤدي المعاني والأفكار التي تجول بخاطره، كي ينقلها من يملي عليه من المعينين له. ولذلك تعود طه حسين مخاطبة شخص يملي عليه، وتعود بسبب ذلك على أن يتوجه بكتابته الى شخص القارئ متجسدا في شخصية من يملي عليه، وذلك على نحو صار المملى عليه بديلا من المروي عليه، وانتقل المروي عليه الذي أصبح ممليا عليه من الاضمار الى الاظهار، ومن كائن مجهول، خيالي، مثالي، لا حضور متجسدا له، الى كائن فعلي، معلوم واقعي، له حضور المتجسد الى جانب حضور طه حسين. ولذلك كان طه حسين يخاطب الشخص الذي يملي عليه كما لو كان يخاطب القارئ أو العكس، ويفعل معه مثلما فعل في قصته صفاء من قصص «المعذبون في الأرض» حيث ترك الكاتب الراوي أحداث قصته ليقول: والشئ الذي أؤكده للقارئ هو أني لم أختر، ولم أكن أستطيع أن اختار أشخاص هذه القصة وأحداثها، وانما اختارتها طبيعة هؤلاء الأشخاص، وأجرت طبيعة الاشياء عليهم ما أجرت من الأحداث، وأرادت أن يكون هذا في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن، وأن أشهد القصة، وأتأثر بها أشد التأثر وأعمقه، وأن أدخرها في نفسي لشيء لم أكن أعرفه حين شهدت القصة وادخرتها، وقد أخذت أعرف الآن حين بدأت أملي هذا الحديث، انما أنا شهدت القصة وادخرتها لأتحدث بها الى قراء هذا السفر.