أهل الشهر الفضيل، تسبقه اجواء كرمه وجوده، ونفحات الرحمة، وأوقات التوبة والمغفرة، وتفتحت الأبواب بالخير، لتذهب عن اليائسين والقانطين بأسهم، وتنتشلهم من الغي والغفلة وتنقلهم من خانة المذنبين والعصاة ظالمي أنفسهم الى مقام التائبين العابدين الصائمين عن كل ما يغضب الله، وتصلهم بخيط امل وتمنيهم بعود طيب وبقبول حسن، يجدد حيوية الروح، ويطهر أدران الجسد. ففي رمضان، تشيع اجواء ربانية، مضمخة بالذكر وبعطر القرآن الكريم، ويضبط ميقات الزمان على الطاعة المطلقة للخالق عز وجل، وتعنون الطاعة بالصدق والتجرد في علاقة وارتباط مباشر بين المرء وربه، دونما شبهة رياء او نفاق ومن هنا كان الجزاء والثواب جزيلا، سواء جاء فوريا دنيويا او اخرويا. وتتجلى اولى سمات كرم الشهر الفضيل، في انتشال الصائمين من حال الاغراق في متع اشباع الغرائز، لحد الاصابة بالتخمة المميتة، والانتقال بهم الى حال صقل الارادة واعلاء متع الروح على غرائز الجسد، حيث يمتنع المرء عن الطعام والشراب طوعا لله، ويذوق طعم الانتصار اليومي على غرائزه وشهواته، ويكتشف القوة الهائلة المخبوءة، التي وهبها الله له، وحجبتها عنه تلك التخمة المميتة للحس، وما يتولد عنها من بلادة وغفلة، وانطماس للانسانية في الجسد لحساب تمدد وتضخم الحيوانية. وبقدر مجيء الصوم مكتملا مبرأ من النواقص والمفسدات بقدر ما تتجلى آيات كرم رمضان، التي يحرم منها من يقصر صومه على الامتناع عن الطعام والشراب، ويستعجل مغيب الشمس وانطلاق مدفع الافطار ويصبح يومه كله ترقبا لمائدة الافطار، فهو لن يذوق طعم قهر الغريزة، واخضاعها لسلطة اكتماله الانساني وتحرره الروحي، ليضيف لثروته رصيده من ارادة تمكنه من تجاوز محدودية القوة والجسد. وفي معايشة الصوم بمقاماته، كما حددها الامام ابو حامد الغزالي، صوم العموم، صوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص، يقترب الصائم من مشارف اكتمال انسانيته فهو في المقام الاول، سيطهر بدنه من سموم التخمة ويستشعر ويذوق الجوع طاعة لله، فتتجلى امام عينيه نعم الله عليه، ويدخل من باب الحمد والتوبة. اما في المقام الثاني حيث تصوم الجوارح فضلا عن صوم البدن، يعرف الصائم ويذوق لذة استعادة قيادته لغرائزه الباطنية، بعد ان سرقتها منه الغفلة وادمان الانقياد للعادة، ويفرح بقدرته المكتشفة على الامتناع عن الرغبة في ايذاء الآخرين والحقد عليهم، او حتى حسدهم ويمتنع عن اشتهاء ما ليس له به حق. ويبلغ كرم رمضان ذروته في المقام الثالث حيث يتجاوز الانسان ويتخطى كل القيود على قدرته لدرجة يتحكم في خواطره الباطنية التي لا يعلمها الا الخالق، بحيث تصبح كلها مجلوبة من مناطق الخير والرحمة والتراحم، وتنسحق فيها كل غرائز المادة لصالح انجلاء قوة الروح. رمضان كريم، ومن كرمه ونفحاته انه شهر جهاد مع النفس، وجهاد تحققت عبر اعوامه كبرى انتصارات المسلمين منذ فجر الاسلام في بدر، وحتى انتصار اكتوبر رمضان اول اندحار لقوة الارهابيين الصهاينة امام العرب منذ نكبة اغتصاب فلسطين واحتلال القدس ووقوع الاقصى في اسر اليهود، وسينعم رب رمضان علينا بعودة القدس محررة والاقصى مطهرا من دنس الصهاينة، بعد ان نذوق طعم انتصارنا على انفسنا، ونستعيد قيادنا.