بين رسائل عديدة احتواها البريد الالكتروني، توقفت كثيراً عند رسالتين ارسلهما طالب عربي يواصل دراساته العليا في الولايات المتحدة، ولان محتوى الرسالتين يثير قضية في غاية الأهمية، فإنني أضع ما جاء فيهما بين يدي القراء محاولين أن نثير اسئلتنا الخاصة وتاركين للقاريء ان يقرأ ما بين السطور! الرسالة الأولى تشير الى سلوك اكاديمي رفيع المستوى يمارس في كبريات الجامعات الامريكية، ومنها هذه الجامعة التي قام احد اقسامها العلمية بتوزيع استطلاع للرأي بين مجموعة من طلاب القسم بشأن حاجتها الى رأي هؤلاء الطلاب في أمر ترقية ثلاثة اساتذة في الجامعة من منصب استاذ مشارك إلى منصب بروفيسور وقد أكدت ادارة القسم على أهمية وضرورة الاجابة على اسئلة الاستطلاع العشرة لانها ستساعد كثيراً في اتخاذ الادارة لقرار الترقية!! الاسئلة تدور حول تمكن الاستاذ من مادته، وتحضيره جيداً للدرس، واستجابته لاحتياجات وتساؤلات الطلاب ومدى عدالته في تقييمهم و... و... الخ الأهم هو ذلك السؤال ما قبل الأخير حول رأي الطالب المباشر في مدى احقية الاستاذ في الترقية أم لا؟ أما الرسالة الثانية فكانت عبارة عن خبر مقتطع من جريدة (الأخبار) المصرية، والخبر يدور في فلك التعليم أيضاً، ولكنه يأتي من مكتب وزير التربية والتعليم المصري الدكتور حسين كامل بهاء الدين، حيث تم ابلاغه من قبل مدير مكتبه وبشكل عاجل ومفاجيء بوجود طالبين من مدرسة المنيرة الاعدادية النموذجية للبنين يطلبان مقابلة الوزير شخصياً لأمر هام!! فأمر الوزير بدخولهما إلى مكتبه فوراً، طالباً تأجيل كل مواعيده المحددة سلفاً حتى تنتهي هذه الزيارة المفاجئة وغير المتوقعة على الاطلاق بعد انتهاء اليوم الدراسي. دخل الطالبان الى المكتب وتحدثا الى الوزير بشجاعة وطلاقة. (الطالبان في الصف الأول الاعدادي) وقد كانت شكواهما تنصب حول بعض السلبيات والمشاكل بمدرستهما. ومما قاله الوزير فيما بعد ان الطالبين كانا يتحدثان بغيرة واضحة على مدرستهما وبحرص على مستقبلهما الدراسي، برغم صغر سنهما الواضح، وقد شكل الوزير لجنة كلفت بالذهاب للمدرسة المذكورة لبحث شكوى الطالبين وتقديم تقرير عاجل حول المشكلة التي وعد الوزير بحلها فوراً. الرسالتان فيهما الكثير، وبين سطورهما يمكن لمواطن يعيش في مناخ العالم الثالث ان يقرأ ويستنتج ما هو اكثر من مجرد حكاية طلاب يملأون استمارة تقييم مدرس، أو مكتب وزير يعج بالكثير من المفارقات والقصص! فأول ما تمحوه الرسالتان هو تلك النظرة الدونية للصغار وللطلاب باعتبارهم لا يعرفون ولا يفهمون، ولا.. ولا.. بينما هم في الحقيقة يعرفون اكثر مما نتصور، وما يريدونه اكبر مما نتخيل، وهم حين يريدونه فانهم يندفعون وراء اهدافهم دون حسابات ومعادلات كتلك التي تعشش في عقول الكبار وتمنعهم من اي فعل للتغيير والاصلاح والاعتراض خوفاً على المكتسبات والرزق والوظيفة.. و.. هناك حق للانسان في ان يعبر عن رأيه وان يكون رأيه محترماً حتى وان كان هذا الرأي في معلمه، فليس في ذلك ادنى تطاول أو قلة احترام، وهناك حق للانسان في ان يرقى بمجتمعه وان يتمتع ببيئة خالية من الازمات والمشاكل والاخطاء حتى وان كان هذا الانسان طالبا في الثانية عشرة من عمره. ان يؤخذ برأي طلاب من اجل ترقية استاذ لمنصب بروفيسور وان يؤذن لطلاب صغار بالدخول الى مكتب الوزير لشرح سلبيات تعاني منها المدرسة، سلوكيات ليست معتادة في مناخ العالم العربي حيث لاينفتح باب الوزير إلا (للكبار) فقط! ولقد نجح طالبان في الثانية عشرة من عمرهما في ان يجلسا الى الوزير لكنهما احتاجا للكثير من الارادة والشجاعة ووضوح الهدف والاصرار، ولولا الاصرار لما دخلا، فكم وزير تربية في العالم العربي مستعد لمقابلة طالبين يقتحمان مكتبه فجأة طالبين موعداً عاجلاً لان مدرستهما تعاني من مشكلة ما؟ وكم جامعة عربية تأخذ رأي طلابها لترقية مدرس إلى منصب بروفيسور؟ aishasultan@hotmail.com