ما هو الجديد في الخطاب الذي خصصه وزير الخارجية الأمريكية لقضية الشرق الأوسط يوم الاثنين المنصرم وكان محل ترقب في العواصم العربية كافة لعدة أيام وكأنه فتح مبين؟ الجديد ان الوزير الأمريكي خرج من الكناية إلى التصريح، فتجاوز سريعاً عبارة «نبذ العنف» بمشتقاتها ليطالب الفلسطينيين جهرةً وعلى رؤوس الأشهاد بوقف الانتفاضة. وإذا كان من الغريب بما يكفي ترحيب قادة السلطة الفلسطينية بخطاب كولن باول حتى قبل ان يلقيه اعتماداً على التوقعات الاعلامية التي سبقت الخطاب، فإن الأغرب ان يتواصل هذا الترحيب لاحقاً حتى بعد ان تبخرت التوقعات لتستقبل القيادة الفلسطينية عوضاً عنها مطالبة أمريكية حازمة بوقف الانتفاضة بعد نعتها بالارهاب. قال باول: «مهما كانت مصادر الاحباط الفلسطيني والغضب في ظل الاحتلال فإن الانتفاضة تغوص الآن في الرمال المتحركة للعنف والارهاب الموجهين ضد اسرائيل لكنهما يأتيان بأثر عكسي». وبعد ان تقدم الوزير الأمريكي بمناصحة إلى الفلسطينيين صاغها بعناية لفظية وكأنها لوجه الله لا لوجه اسرائيل فإنه مهما كانت مطالبهم شرعية «فلا يمكن سماعها فضلاً عن معالجتها من خلال العنف» فإن وصل إلى تلك النقطة الحاسمة التي تمثل ذروة خطابه، فقال صائحاً: «يجب ان يتوقف العنف والارهاب، وان يتوقفا الآن». ولو استطعت ان تتناسى ـ للحظات وأنت تطالع النص المكتوب لخطاب باول ـ اسم الوزير وصفته لتراءى لك انك تسمع صوت ارييل شارون أو شيمون بيريز أو ايهود باراك وبنيامين نتانياهو، كلهم مع بل كلينتون وجورج بوش يتكلمون بصوت واحد عندما يتعلق الأمر بالانتفاضة. لكن لماذا ترحب القيادات الفلسطينية التقليدية بمثل هذه الطقوس الخطابية الأمريكية الموسمية التي توحي من حين لآخر ان الادارة الأمريكية تعرض جديداً على الفلسطينيين بينما هي تعزف نفس النغم الاسرائيلي بتوزيع موسيقي مختلف؟ هناك قيادات فلسطينية تتعجل قطف الثمار السياسية للانتفاضة قبل أوان نضجها. وهناك قيادات تنظر للانتفاضة بعين الاسترابة وهي مدفوعة بتخوف دفين من ان استمرار المقاومة المسلحة قد يفزر قيادات من طراز جديد ينعقد لها لواء التأييد الشعبي في الشارع، أما على الصعيد العربي الأوسع فإنه لا يخفى ان هناك أيضاً قيادات عربية تتخذ وضع عداء غير معلن للانتفاضة إما تخوفاً من «عدواها» أو تزلفاً للولايات المتحدة أو كليهما. هذه القيادات التقليدية جميعاً تنظر في فقرات خطاب كولن باول بعين انتقائية بغرض النفخ في فقرات معينة تبدو وكأنها ايجابية متغافلة عن فقرات أخرى تتناقض معها، بل وتلغي أثرها نهائياً. لقد ورد في الخطاب مثلاً دعوة إلى انهاء الاحتلال الاسرائيلي بما يتوافق مع قراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338 اللذين ينصان على جلاء القوات الاسرائيلية من الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 وعلى عودة اللاجئين الفلسطينيين، ولكن عندما يعرج الخطاب على قضايا الحل النهائي فإن الوزير الأمريكي لا يطالب الجلاء عن القدس الشرقية كأرض محتلة منذ عام 67 وإنما يدعو إلى ان «مستقبل القدس يحل عبر التفاوض» أما فيما يتعلق بقضية اللاجئين فإنه عوضاً عن المطالبة بتطبيق حقهم في العودة بموجب القرارات الدولية فإنه يتحدث بطريقة ملتوية عن «حل يتسم بالعدل» فهل هو «العدل» المنصوص عليه في القرار 338 أم هو «العدل» من المنظور الاسرائيلي؟ وبعد.. فإنه متاح للولايات المتحدة ان تبرهن للعرب ان دعوتها إلى وقف الانتفاضة صادرة عن حسن نية بأن تقيم «تحالفاً دوليا» ضد اسرائيل لحملها على تصفية الاحتلال بموجب قرارات الشرعية الدولية، فلولا الاصرار الاسرائيلي على بقاء الاحتلال لما اندلعت الانتفاضة أصلاً.