ينطلق فهمي للثقافة ـ ثقافة أي شعب ـ من أنها وجود ودور معاً. فلكل جماعة بشرية ثقافة مهما كان حجم هذه الجماعة، لكن طبيعة ومضمون هذه الثقافة من جهة، وتأثير ودور هذه الثقافة هو الذي يتحدد تبعاً لقوة تأثير هذه الجماعة البشرية. وقد كان للعرب ثقافة خاصة بهم قبل ظهور الدعوة الإسلامية، لكن وجود هذه الثقافة كان محصوراً جغرافياً في إطار البقع السكانية التي تتحدث اللغة العربية وكانت طبيعة هذه الثقافة تتصف بما كانت عليه القبائل العربية من سمات وخصائص وشيم أما بعد ظهور الدعوة الإسلامية، فان الثقافة العربية أخذت مضامين جديدة حملها الإسلام بحكم نزول كتاب الله الحكيم باللغة العربية ، وأيضاً من خلال بدء الدعوة وانتشارها عبر رواد عرب حملوا الرسالة إلى بقاع عديدة في العالم، لا توجد فيها قبائل عربية ولا يتحدث أهلها باللغة العربية. وفي ذلك الحدث التاريخي، خرجت الثقافة العربية، من الدائرة العنصرية (الخاصة بالعرب) إلى الدائرة الحضارية (الخاصة بمضامين الدعوة الإسلامية) أيضاً من نتائج ذلك أن الثقافة العربية خرجت من دائرة التعريف بها وجوداً، إلى موقع متميز دوراً، ارتبط ويرتبط بلغة القرآن الكريم. وهذه علاقة خاصة جداً بين الثقافة العربية والدعوة الإسلامية، تتميز بها الثقافة العربية عن غيرها من الثقافات العالمية بما في ذلك الثقافات المنضوية تحت الإسلام وحضارته. وهذه العلاقة الخاصة بين الثقافة العربية كإطار وبين الحضارة الإسلامية كمضمون، وإن كانت تعني تمييزاً لا تمايزاً عن باقي الثقافات في العالم الإسلامي، لكنها أيضاً تعني دوراً مميزاً لها ولمن ينتمون إليها (إي العرب)، ففي الحفاظ على الثقافة العربية ولغتها، حفاظ على لغة القرآن الكريم وتسهيل لفهمه الصحيح ولاستيعاب مضامينه. لكن الثقافة العربية، كغيرها من ثقافات العالم، يندمج فيها عبر حركة الزمن، الصالح والطالح معاً، وتكون مهمة القائمين على هذه الثقافة والحاملين لها، إجراء عملية الفرز بين ما هو إيجابي في الأصل وبين ما هو سلبي في الإلحاق. غياب التأثير ان الثقافة العربية، كغيرها من الثقافات، يرتبط تأثيرها بدور الجماعة البشرية التي تنتمي إليها. فحينما كان العرب ينشرون الدعوة الإسلامية، كانوا يتميزون بأنهم حملة رسالة حضارية للعالم أجمع، ليس من أجل نشر الثقافة العربية أو اللغة العربية، بل في سبيل المضمون الذي حملته هذه الثقافة ـ الوعاء في كتاب كريم وقيم ومبادئ حضارية وخلقية، فانتشرت الثقافة العربية ـ أو في الحد الأدنى اللغة العربية ـ حيث انتشرت الدعوة الإسلامية. ونجد في التاريخ أيضاً ما هو تأكيد على هذه المسألة حول الترابط بين دور الثقافة ودور الجماعة المنتمين إليها، وذلك من خلال مثال انتشار اللغة الإنجليزية إلى مشرق الأرض ومغربها حين كانت بريطانية الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. فقد ارتبط انتشار اللغة الإنجليزية بمقدار انتشار سيطرة وهيمنة الشعب الإنجليزي على مناطق عديدة في العالم. واليوم، وبعد عشرات السنين من التحرر من الاستعمار البريطاني، مازالت استراليا ودول في شرق آسيا وغيرها من الدول شرقاً وغرباً تأخذ بالعادات البريطانية وتقاليدها الاجتماعية، إضافة إلى لغتها الإنجليزية. فالانتشار الثقافي عالمياً يرتبط بقوة تأثير ودور الجماعة التي تحمل هذه الثقافة وذلك قد يتم من أجل خدمة رسالة دينية وقيم حضارية كما كان الحال بين الثقافة العربية والحضارة الإسلامية أو قد يحصل بفعل مصالح دولية وأسلوب قهري استعماري، كما انتشرت اللغة الإنجليزية سابقاً، واللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية أيضاً في أماكن أخرى من العالم. واليوم نجد أن انتشار الثقافة الأمريكية ومن ضمنها اللغة الإنجليزية طبعاً أصبحت هاجساً حتى لدول تنتمي إلى الحضارة الغربية نفسها لكنها تتمايز ثقافياً عن ثقافة أمريكا ولغتها. اذن، كلما كان لأي جماعة بشرية أو أمة دوراً فاعلاً بمضامين حضارية أو بأساليب هيمنة ، كلما انتشرت واتسعت ثقافة هذه الأمة و تعولمت على مر السنين. أما حال العرب اليوم فهو يسير من سيئ إلى أسوأ، وتعاني أمتهم الآن من انقسامات وصراعات انعكست على الثقافة العربية نفسها، لذا نجد الثقافة العربية مهددة الآن ليس فقط من حيث الدور بل من حيث الوجود الفاعل نفسه. فالثقافة العربية هي الآن كجامع مشترك بين العرب والخطر عليها كوجود لم يبدأ فقط مع وجود الاحتلال الأوروبي للمنطقة في نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، بل بدأ مع سقوط الريادة العربية للعالم الإسلامي، وتسلم السلطة العثمانية لدور كان أولى بالعرب الحفاظ عليه فأخذه منهم الجيش الانكشاري. من هنا كانت بداية تدهور حال الثقافة العربية بغض النظر عما حملته هده الثقافة بعد إنتهاء دولة الخلفاء الراشدين من مفاهيم بعضها يتناقض مع المضمون الأصولي للقيم الإسلامية. وقد انتهت قرون السيطرة العثمانية بمحاولة تتريك العرب في مطلع القرن الحالي، وفرض اللغة التركية كبديل للغة العربية، ثم ذهب الاتراك إلى ديارهم ليعلن كمال أتاتورك تخلي الاتراك أيضاً عن لغتهم وثقافتهم وتحويلها إلى الأحرف اللاتينية ونظم الحياة الغربية. وكان من المؤمل لدى الورثة الإنجليز والفرنسيين للتركة العثمانية، ان يتخلى العرب ايضا عن لغتهم وثقافتهم وان يستبدلوها كما فعلت تركيا ـ اتاتورك بالأحرف اللاتينية والثقافات الغربية، لكن الترابط العضوي بين لغة العرب ولغة القرآن الكريم، بين الوعاء الثقافي للعرب وبين مضمونه الحضاري الإسلامي، منع ذلك بشكل كبير، إضافة إلى الدور الهام الذي قام به العديد من الأدباء العرب ـ وكان معظمهم من المسيحيين العرب ـ الذين كانوا يحرصون على الثقافة العربية ويشتركون مع المسلمين العرب في صنع الحضارة العربية الإسلامية. ورغم كل محاولات «الفرنس» و«الانجلزة» التي تمت في النصف الأول من هذا القرن ورغم كل مدارس التبشير الفكري والثقافي الغربية التي انتشرت في المنطقة العربية ورغم تجزئة المنطقة العربية بعد سقوط الحقبة العثمانية ومحاولة المستعمر الفرنسي والانجليزي تغليب نمط الخصوصيات المحلية لأبناء الدول العربية على ثقافتهم العربية المشتركة رغم ذلك كله، فشلت هذه المحاولات لعشرات السنين وان كانت قد أضعفت دور الثقافة العربية وشوهت مضمونها الحضاري في أكثر من مجال. بين الفكرة والدعوة اليوم نجد الثقافة العربية أمام مفترق من الطرق السلبية: إما السير في طريق تقزيم الثقافة العربية وتغليب الخصوصيات المحلية فيها على الجامع المشترك بين عناصرها أو ـ بل ربما مع ـ «أمركة» مضامينها الحضارية في إطار ما هو سائد من شعارات العولمة والقرية الصغيرة أي أمام الثقافة العربية الآن، تحديات التخلي عن الوجود أفقياً لصالح لهجات محلية وترسيخ لعادات وتقاليد خاصة في كل بيئة عربية وفي الوقت نفسه مواجهة تحديات التخلي عامودياً عن الدور التاريخي للثقافة العربية المرتبط بالمضمون الحضاري الإسلامي الذي يشترك فيه كل العرب بكل خصوصياتهم الدينية والوطنية والأصول العرقية لصالح مضامين حضارية غربية تقودها الآن الثقافة الأمريكية في معظم المجالات. وكما هناك ـ بتقديري ـ تمييز بين وجود الثقافة ودورها، كذلك هناك تمييز بين وجود فكرة وبين الدعوة لها، حيث العرب الآن في حال من التخلف السياسي والإجتماعي والإقتصادي من جهة، وتمزق وصراعات من جهة أخرى، مما ينعكس سلباً على واقع حال الثقافة العربية ويجعلها أسيرة هذا الواقع المتخلف عموماً والممزق واقعاً والعاجز دوراً. ومهما كانت هناك من أفكار جيدة في الساحة العربية فإن وجود الفكرة وحده لا يكفي فلكي تتحول الفكرة الى دعوة ناجحة، فان أربعة عناصر مطلوبة لهذه الدعوة: 1ـ وضوح الفكرة وسلامتها وانسياقها مع الواقع وانطلاقها من الأصول المبدئية للهوية الثقافية العربية ولمضمونها الحضاري، لا من الفروع التفصيلية المشوهة الموجودة فيها. 2ـ وجود الدعاة والمفكرين والمثقفين الذين يحملون هذه الفكرة وينسجم سلوكهم مع طرحهم الفكري، فلا تكون هنا مشكلة الانفصام بين الفكرة والتطبيق، مما يجعلهم ـ وبما يتحلون به من قيم خلقية ـ نقطة جذب للفكرة نفسها. 3ـ بناء مؤسسات متنوعة المجالات، متعددة الآراء والرؤى لأساليب العمل. 4ـ رفض إستخدام العنف بكافة أشكاله في أسلوب الدعوة للفكرة، والتعامل مع الظروف المحيطة بحكمة ومرونة من أجل محاولة تحسين هذه الظروف لتنسجم مع إمكانات الدعاة ومؤسساتهم. أخيرا، فان التسمية المناسبة لهذه الفكرة ـ الدعوة هي العروبة الحضارية بما تعنيه هذه التسمية من حرص على الثقافة العربية وعلى مضمونها الحضاري، وأيضا بما يميزها عن طروحات كثيرة، في الإطارين السياسيين: القومي والإسلامي، هذه الطروحات التي تشوهت معانيها ومضامينها بسبب أزمة دعاتها ومؤسساتها، وبحكم تخبط أفكارها وعدم الفرز فيها بين الأصل السليم وبين ما علق فيها وعليها من أدران كادت ان تميت الأفكار نفسها، وان مازال اتباعها أحياء يرزقون!! ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن