هنيئاً للعدو بكل أرض اذا هو حلّ في بلدي تعادى ذلك بيت شعر من قصيدة طويلة قالها شوقي في يوم احتفال بوضع الحجر الاول في اساس بنك مصر في مايو 1925. وليس المهم هنا تلك المناسبة التي كانت مفصلاً من مفاصل التاريخ الاقتصادي المصري فتلك حادثة قد مرت يعلم خباياها ونتائجها العارفون بالاقتصاد المصري، اما المهم الذي يعنينا منها هو هذا الاثر الادبي الذي تركه شوقي رحمه الله، اثر تلك الحادثة واحتفاء بها، وهي تلك القصيدة التي منها ذلك البيت الذي ورد في صدر هذه الاسطر. العجيب في الامر انني كنت كثيراً ما اعرض كلما قلبت ديوان شوقي عن امثال قصائده هذه التي قالها شوقي في بعض احداث مصر وذلك لأنني وبمجرد قراءة عنوانها غير الشاعري اجفل من القصيدة وابحث عن قصائده التي تغلب عليها الأبيات الشهيرة كقصيدته التي منها: يا جارة الوادي طربت وعادني ما يشبه الاحلام من ذكراك أو كقصيدته الشهيرة: رَوّعوهُ فتولى مُغْضَبا أعلمتم كيف ترتاع الظبا وذلك امر غير مستغرب من مثلي من يذهب وراء الرقيق العاطفي من الابيات، او لعلّه هو الاستسلام الذي يطيب لكثير منا لما نقله له سواه من أهل الادب من مختارات الشعراء والاكتفاء بما يهدونه لنا من اشعار الشعراء التي نظن انها وحدها اجمل ما قال الشعراء، ولو اننا قلبنا النظر كثيراً في دواوين مشاهير الشعراء لوجدنا فيها ابياتاً بل ربما قصائد ما التفت اليها سوانا وربما كانت لنا مختاراتنا الخاصة من دواوين اولئك الشعراء التي ربما كانت الصقت بأرواحنا مما نُقِلَ الينا. المهم أنني وفي ساعة تقليب ضجر من أحداث الحياة ومآسيها التي باتت تحف بنا من كل جانب واهمها وأوجعها ما يجري بالقرب منا وبات يملأ الدنيا ويشغل الناس في افغانستان، وقعت يدي وعيني على هذه القصيدة التي تجاهلت فيها عنوانها الجاف وهو «بنك مصر» وقرأت مطلعها: نراوح بالحوادث أو نغادي وننكرها ونعطيها القيادا الى ان وصلت الى البيت الذي وضعته على مفرق هذه السطور. واذا بي التفت الى ان شوقي في بيته هذا وكأنه يقرأ احداث افغانستان من وراء الغيب فها هو يلخص علّة افغانستان في هذا البيت وما وراءه فما علة ذلك البلد إلا تلك العداوات التي اتاحت للاعداء ان يكون لهم فيها ضلع او يد، وما اهلك ذلك البلد الا قطع اوصال القرابة والمودة بين ابنائه المسلمين، وتلك حقيقة ظاهرة للعيان لا تخفى على كل عارف. وربّ حقيقة لابد منها خدعنا النشء عنها والسوادا وانني بعدما قرأت تلك القصيدة وجدت فيها من الحكمة والتجربة الواردة في اسلوب امير الشعراء شوقي الرائع الراقي ما لا يقارن ولا يوازن بكثير من شعره العاطفي المحض الذي نحفظ ابياتاً منه، فهو في الابيات التالية التي اخترتها من قصيدة كأني به يصف حال المسلمين في افغانستان وفي العالم الاسلامي عربه وعجمه لا يحيد عنه قيد انملة، يصفه وعلاته فإن قلت ما هذا الضعف الذي نحن فيه قال شوقي: خَفضنا من عُلُو الحق حتى توهّمنا السيادة ان نُسادا وإن قلت ما بال هذه الجماعة الصغيرة في افغانستان تتصدى لأعظم قوة عسكرية في العالم بغير عدة ولا حلفاء قال شوقي: ومن لقيَ السباعَ بغير ظُفرٍ ولا نابٍ تمزقَ او تُفادى وان قلت وما الاخوة يتقاتلون على السلطة منذ زمن في هذه البلاد قال شوقي: ولَمّا لم ننل للسيفِ ردّاً تنازعنا الحمائلَ والنجادا وإن قلت ما بال الكُلّ يدعي ان الحق معه وان غيره على خطأ مطلق قال شوقي: واقبلنا على أقوال زورٍ تجيءُ الغي تقلِبُهُ رشادا ولو قلت كيف تركنا العدو يحتل بلادنا قال شوقي: هنيئاً للعدو بكل ارضٍ إذا هو حَلّ في بلدٍ تَعادى وكأني بشوقي يرصد احوال العرب منذ عقود فذهب وبقي شعره راصداً مكتوباً نغفل عنه وهو لم يغفل عن احوال أمته.. ومَنْ لَقِيَ السّباعَ بغيرِ ظُفرٍ ولا نابٍ تمزقَ أو تفادَى خَفضنا من عُلُو الحق حتى تَوهّمنا السيادةَ أن نُسادا ولمّا لم نَنلْ للسيفِ رَداً تنازعْنا الحمائلَ والنجادا وأقبلنا على أقوال زورٍ تجيءُ الغَي تَقلِبُهُ رَشادا ولو عُدنا إليها بعدَ قرْنٍ رَحمنا الطرسَ منها والمِدادا وكم سحرٍ سمعنا منذُ حينٍ تضاءَلَ بين أعيُننا ونادى هنيئاً للعدو بكل أرضٍ إذا هو حل في بلدٍ تَعادَى وبُعداً للسيادةِ والمعالي إذا قَطَعَ القرابةَ والوِدادا ورب حقيقةٍ لا بد منها خدعْنا النشْءَ عنها والسوادا