طائرات امريكا منهمكة في قصف مدن جلال اباد وقندهار وقوندوز في افغانستان ودبابات شارون تواصل قصف طولكرم ونابلس ودير البلح في فلسطين، وكولين باول يهدد دمشق بأن علاقات واشنطن معها في المستقبل ستعتمد على مدى الاستجابة السورية لتفكيك «حزب الله» والمنظمات الفلسطينية التي تتخذ من العاصمة السورية مقرا ومركز انطلاق. كل هذا يجري باسم مكافحة الارهاب. فالهدف من العمليات الحربية الامريكية في افغانستان هو «تطهير» الاراضي الافغانية من عناصر الارهاب. ودبابات شارون تتوغل في المدن الفلسطينية او تحاصرها بحثا عن كوادر «فتح» و «حماس» و «الجهاد» فهي كلها منظمات ارهابية اما «حزب الله» اللبناني والمنظمتان الفلسطينيتان ـ «الشعبية» و «الديمقراطية» ـ التي تحظى ثلاثتها برعاية سورية فانها ايضا جميعا منظمات ارهابية. ومع ذلك يخلو المشهد تماما بشقيه العسكري والدبلوماسي من اي حضور للدول العربية والاسلامية سواء كفرادى او من خلال الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي. لقد كان الموقف الاسلامي الرسمي تجاه الحرب الامريكية في افغانستان موقف تأييد صريح او ضمني عندما اشتعلت الحرب استنادا الى انها رد فعل عقابي مشروع على عملية ارهابية ضخمة راح ضحيتها الاف من مدنيين ابرياء في الولايات المتحدة. لكن الوضع الافغاني انتقل الآن الى دائرة التصارع السياسي لتحديد صورة المستقبل لافغانستان والشعب الافغاني، واذ نرى روسيا تقتحم هذا المشهد السياسي بقوة لتفرض اجندة مشتركة جنبا الى جنب مع الولايات المتحدة فإننا لا نرى حضورا للدول الاسلامية. محاربة الاسلام والمسلمين هو المنطلق المبدئي المشترك للتحرك السياسي الامريكي الروسي الذي تتشكل ملامحه ميدانيا الآن على الارض الافغانية. كلاهما تريد افغانستان جديدة مفصومة عن بقية الامة الاسلامية، ومن هذا المنطلق تخطط هاتان القوتان المتوجستان مبدئيا من حضور اسلامي قوي في الساحة الدولية من اجل الحيلولة دون قيام نظام حكم ذي هوية اسلامية راديكالية في افغانستان يمكن، من المنظور الامريكي ان يتهدد الهند ، ومن المنظور الروسي ان يكون مصدر إلهام ودعم للحركات الاسلامية الفتية في دول آسيا الوسطى. ومن المؤسف حقا انه في مرحلة هذا التشكيل الجديد للمستقبل الافغاني تسجل الدول الاسلامية المفترض ان تكون المعنية بالامر اكثر من غيرها غيابا خطيرا. قضية الصراع العربي الفلسطيني تدخل بدورها ايضا مرحلة جديدة. فمن الواضح ان العزم الاسرائيلي الامريكي المشترك قد انعقد على خطة تستهدف القضاء نهائيا على منظمات النضال المسلح كافة. فبينما تصعد الولايات المتحدة ضغوطها يوميا على سوريا ولبنان لوضع نهاية لوجود « حزب الله» كقوة قتالية او على الاقل تقليم اظافره ليتحول الى حزب سياسي مدجن تبقى دبابات شارون وجرافاته في المدن الفلسطينية بهدف تصفية الانتفاضة الفلسطينية المسلحة عن طريق القضاء على قيادات وكوادر المقاومة المسلحة. ومع استمرار واشنطن في اطلاق فرقعات اعلامية على هيئة بيانات وتصريحات حول «الدولة الفلسطينية» بغرض اتاحة المزيد من الزمن لدبابات شارون لا نجد اثرا لتدخل عربي او اسلامي. واذا كانت الدول العربية والاسلامية تقول جميعها بصوت واحد ان المقاومة ضد احتلال اجنبي لا تعتبر ضربا من الارهاب فكيف تتخذ موقف التفرج السلبي وهي ترى الولايات المتحدة تعطي شارون ضوءا أخضر تلو ضوء اخضر للمضي في تصفية فصائل المقاومة الفلسطينية باسم مكافحة الارهاب؟