بدأت عملية التكهن وإثارة التساؤلات حول مستقبل البرنامج النووي الباكستاني في ظل الحرب ضد أفغانستان، بتقرير أشار إلى أن هناك وحدات عسكرية أمريكية وإسرائيلية خاصة تتدرب على التدخل لفرض السيطرة على المنشآت النووية في باكستان في حالة سقوط الرئيس مشرف للحيلولة دون وقوعها تحت سيطرة متشددين إسلاميين من داخل الجيش مؤيدين لطالبان، ولم تنف أو تؤكد الولايات المتحدة صحة هذا التقرير من عدمه، مما اعتبر من قبل الكثير من المراقبين دلالة على صحة هذه المعلومات خاصة في ظل أمرين. الأول: عبرت الولايات المتحدة علنًا عن مخاوفها من سيطرة عسكريين إسلاميين على السلاح النووي في حالة الإطاحة بمشرف في ظل المعارضة الشديدة له في الداخل، والانقسام داخل الجيش، إضافة إلى المظاهرات العديدة المؤيدة لطالبان، ودعوة بعض العلماء إلى الجهاد ضد الولايات المتحدة وحلفائها. الثاني: أن إسرائيل تضع باكستان ضمن معادلة القوى المعادية لها في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى إيران والدول العربية، ولذلك فإنه عندما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق ذو الفقار علي بوتو عن نية بلاده لإنتاج قنبلة نووية عام 1972، تحركت إسرائيل على أكثر من اتجاه لمنع حدوث ذلك، فسعت للتقارب مع الهند، على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية بينهما، وتعاونا سراً في شأن المسائل الدفاعية والاستخبارية، إضافة إلى مد إسرائيل للهند بالخبرات الخاصة بمقاومة الثوار المسلمين في كشمير، كما طلبت من الولايات المتحدة التحرك بشدة لمنع باكستان من امتلاك سلاح نووي، ومن هنا ضغطت واشنطن على فرنسا للحيلولة دون قيامها ببيع مصنع إعادة تجهيز البلوتونيوم لإسلام آباد، وعندما فشلت في ذلك ذهب وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر إلى باكستان لإقناع بوتو بالتوقف عن المضي قدما في البرنامج النووي، وعرض عليه بيع 110 طائرات مقاتلة مجهزة بالمدافع والصواريخ، ومع رفض بوتو لهذه الإغراءات قال كيسنجر سنجعل منك عبرة رهيبة ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد وإنما امتد إلى إلغاء كافة المعونات للدول التي تحاول دخول النادي النووي عام 1981، وكانت باكستان هي المقصودة في المقام الأول ، وبعد ذلك مات بوتو حيث اصدرت احدى المحاكم حكما باعدامه حيث تعددت التفسيرات للأسباب التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار. مخاوف اسرائيلية وتتخوف إسرائيل من تعاون باكستان عسكريًا مع دول أخرى في المنطقة وخاصة إيران وبعض الدول العربية، وكانت الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي لإسلام آباد بعد إجراء الأخيرة لتفجيراتها النووية بأيام، ذات دلالة خاصة بالنسبة لإسرائيل، حيث قدمت إدارة البحوث بالمخابرات العسكرية الإسرائيلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتانياهو تقريراً أشارت فيه إلى أنه لم يبق أمام إيران سوى فترة تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات لتطوير قدرات نووية عسكرية، وبمجرد امتلاك طهران لقنبلة نووية فإنه من المحتمل أن يسارع العراق ببناء قنبلة مماثلة، يضاف إلى ذلك أن الترحيب الذي قوبلت به التفجيرات النووية الباكستانية على المستوى الشعبي العربي وجولة رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف في بعض الدول الخليجية، هي أمور كانت تعني الكثير بالنسبة لإسرائيل لتطورات الأوضاع خلال الفترة القادمة وفي هذا الإطار أشار شيمون بيريز أحد المؤسسين الأوائل للبرنامج النووي الإسرائيلي، في لقاء مع صحيفة معاريف الإسرائيلية إلى أن القنبلة الإسلامية ليست زخراً استراتيجيا للعرب بل زخرًا نفسيًا لهم، القنبلة النووية ستجعلهم أكثر غروراً وستثير لديهم الشهية للقضاء على إسرائيل، وهذا هو الخطر الأكبر وعبر عن اقتناعه بأن امتلاك باكستان للقدرة النووية سوف يشجع كلاً من العراق وإيران على السعي نحو تعزيز محاولاتهما للحصول على سلاح نووي. وبعد التقرير الذي أشار إلى تدريبات أمريكية ـ إسرائيلية مشتركة للسيطرة على السلاح النووي الباكستاني، تعددت الإشارات التي تؤكد على خطورة وضع هذا السلاح والغموض الذي يحيط بمستقبله ودور أمريكا وإسرائيل والهند في ذلك، أهم هذه الإشارات هي: 1ـ اعتقال باكستان لثلاثة من علماء الذرة البارزين بعد إعراب الحكومة الأمريكية عن قلقها من احتمالات نقلهم معلومات نووية مهمة إلى حركة طالبان، وأشارت صحيفة نيويورك تايمز في 3/11/2001 إلى أن أحد هؤلاء العلماء معروف بتأييده لطالبان، وقد ذكرت تقارير الصحف الباكستانية أن محققين أمريكيين من مكتب المباحث الفيدرالي، ووكالة المخابرات المركزية، قد شاركوا في التحقيقات مع هؤلاء العلماء. 2ـ ذكرت إحدى الصحف الهندية «هندوستان تايمز» في أحد تقاريرها، أن أمريكا لديها خطط جاهزة لمحاربة الجيش الباكستاني إذا ما أطاح بالرئيس برويز مشرف وقالت مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الأخير إن الولايات المتحدة تنوي إرسال إحدى وحدات مشاة البحرية المكونة من 2200 جندي لحماية الأسلحة النووية الباكستانية في حالة الإطاحة بمشرف، ويرتبط بذلك ما جاء في تقرير للاستخبارات الروسية مؤخرًا من أن الرئيس الباكستاني قد يكون سلم فعلاً ما بحوزة بلاده من قنابل نووية إلى الولايات المتحدة بعد أن كشفت المخابرات الأمريكية عن محاولة الانقلاب التي كان بعض قادة الجيش ينوون القيام بها ضده. 3ـ أشارت بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة متخوفة من احتمالات إقدام باكستان على نقل الأجزاء الأكثر حساسية من البرنامج النووي على متن طائرات هليكوبتر إلى الصين لتكون في مأمن من أي مخاطر مستقبلية، وذلك في ظل العلاقات العسكرية الوثيقة بين باكستان والصين، في مقابل العلاقات المتطورة بين روسيا والهند. اعادة تشكيل وبشكل عام، فإن هذه المؤشرات تستدعي الإشارة إلى ملاحظتين هما: أ ـ أنه من أهم السياسات التي تتبعها الدول الكبرى على مر التاريخ، هي سياسة «الليمونة المعصورة» وتعني الاستفادة من شخص ما رئيس، زعيم سياسي، لخدمة أهدافها الاستراتيجية، (عصره) وحتى إذا ما انتهت من تحقيق أهدافها وأصبحت في غير حاجة إليه تخلت عنه أو تخلصت منه. والولايات المتحدة تستخدم هذه السياسة مع النظام الحاكم في باكستان حيث ستحافظ عليه حتى الانتهاء من حربها في أفغانستان، وعند هذه المرحلة إما تتركه لمعارضيه في الجيش للانقلاب عليه وبالتالي يتوفر لها المبرر للتدخل والسيطرة على الأسلحة النووية بحجة الحيلولة دون وقوعها في أيدي متشددين إسلاميين، أو تقوم هي بنفسها من خلال مخابراتها بالتخلص منه والبرنامج النووي هو الهدف أيضًا. ب ـ أنه على الرغم من ثناء الولايات المتحدة على تعاون باكستان معها في الحرب «ضد الإرهاب»، وتأكيد المعهد القومي للدراسات الاستراتيجية في واشنطن في تقرير أصدره مؤخرًا على أهمية باكستان الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة ـ فإن كل ذلك يبدو صالحًا للتطبيق خلال المدى القصير، أما على المدى البعيد، فإن الولايات المتحدة تدرك أن طالبان قد خرجت من الرحم الباكستاني، وأن لها مؤيديها المتغلغلين في مراكز السلطة المهمة والحساسة داخل باكستان، وبالتالي فإن القضاء على طالبان لا يعني القضاء على أعدائها في المنطقة. ومن هنا فإن من أهم أهداف واشنطن في إطار الحرب ضد أفغانستان، ليس فقط إطاحة حكم طالبان والقضاء على تنظيم القاعدة، وإنما أيضًا إعادة تشكيل التوجهات والسياسات الباكستانية على المستويين، الداخلي والخارجي، والخطوة الأولى لتحقيق ذلك تتمثل في التخلص من برنامجها النووي أو السيطرة عليه، لأنه بدون ذلك لن تستطيع واشنطن أن ترتب الأوضاع في شبه القارة الهندية وآسيا الوسطى بما يتفق مع خططها واستراتيجياتها في المنطقة. ـ مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، لندن