قال تعالى في محكم كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم: «ي اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم، الا نعبد الا الله ..» وقال ايضا: وانا أو اياكم لعلى هدى او في ضلال مبين» صدق الله العلي العظيم في اطار الدعوة الكريمة التي وجهها لي «اصحاب البيان» في جريدة «البيان» المتميزة والرصينة وللعودة مجددا الى صفحة قضايا وآراء، قررت ان ابدأ عهدي المتجدد مع اهلي واحبائي في «البيان» في الدفاع عن رأي لطالما عز علي ان اجده يقع مظلوما في زحمة تزاحم الافكار والآراء، الا وهو ضرورة سيادة منطق الحوار دوما ايا تكن الظروف والملابسات. نعم ضرورة الحوار، مع كل من هو «آخر» حتى وهو يرفض منطق الحوار، واعتقد ان بيت القصيد في فلسفة الحوار القرآنية هو هنا بالذات اي اشهار منطق الحوار مع الذين يرفضون منطق الحوار بالذات، باعتبار ان ذلك لايقلل من شأن موقفنا الذي يفترض اننا متأكدون من احقيته، بل ويدعمه بسلاح جديد يضاف الى اسلحة البراهين الكثيرة التي يفترض ايضا اننا نمتلكها. ان اي متأمل عميق لآيات القرآن الكريم التي تتناول موضوعة الحوار وما اكثرها، يستطيع الاستنتاج بما لايدع مجالا للشك بأن المنطق الحواري الذي يقدمه هذا الكتاب السماوي (الرباني) الخالد، انما يؤكد هذه الحقيقة. ابتداء من الحوار مع ابليس الشيطان الاكبر، مرورا بالحوار مع فرعون الطاغية الاكبر، وصولا الى الحوار مع «الآخر» المختلف مع المنطق التوحيدي من اهل الكتاب او غيرهم ممن تمايزوا او اختلفوا او لم يقتنعوا مع منطق خاتم الانبياء والرسل، وهي مستويات مختلفة ومتعددة ومتميزة للحوار يغلب عليها منطق فتح باب السعي من اجل اكتشاف الاوجه الكاملة للحقيقة المطلقة المتمثلة بالله سبحانه وتعالى وهو الكمال المطلق الذي لاينقصه شيء ولا يزيد عليه شيء. والسؤال الآن هو: اذا كان صاحب القدرة والمشيئة المطلقة والذي يملك استطاعة ان يقول للشيء «كن فيكون» قد اقر منطق الحوار بالشكل الذي يعرضه علينا في كتابه الحكيم، فبأي منطلق ترانا نحن البشر الضعفاء نصر على مقاومة مثل هذا المنطق الرفيع؟ وحتى نخرج الموضوع من دائرة الشبهة فورا، ونغلق الطريق ايضا على من يريد استغلال المنطق التسامحي للرسالة الاسلامية من اجل فرض الاستسلام علينا نقول: ان منطق الحوار، وهو ضرورة مبدئية لا تتغير بتغير الظروف والاحداث، لايعني لا من قريب ولا من بعيد، التخلي عن سائر مبادئنا الحنيفة الاخرى، فالذي علمنا منطق الحوار علمنا ايضا منطق المقاومة ومنطق عدم الرضوح للظالم او الانصياع لاملاءاته وقراراته التعسفية. وبالتالي فنحن لا نحاور استجداء لمطلب حق، ولا نحاور انطلاقا من موازين تفرض علينا الحوار بسبب موقفنا الضعيف في هذه المعادلة او تلك من معادلات القوة الاقليمية او الدولية، بل نحاور دوما ايمانا منا بالحوار كمبدأ ثابت كما اسفلنا، باعتباره جزءا لا يتجزأ من منطق البحث عن الحقيقة وارتقاء سلم الكمال، وهذا يختلف عن منطق «المفاوضات» و «التسويات» و «الحلول الوسط» ما الى ذلك من مصطلحات قاموس السياسة والسياسيين الذي ليس هنا مجال مناقشته لان له سياقه، وله مستوياته في البحث والتحليل، وله آلياته ومنطقه الذي لايجوز خلطه مع منطق المبدأ العام، وان كان جزءا منه. وها ايضا ينبغي التوقف قليلا للتفريق بين «المتفاوضين» و «السياسيين» فنقول ليس كل من جلس الى طاولة المفاوضات «مفرط» بالمباديء بالضرورة، كما ان ليس كل «مفاوض» داعية للحوار والسلام بالضرورة، ذلك لان منطق الحوار الذي نتحدث عنه منطق متكامل بل منظومة فكرية متجانسة تعتمد في آليتها في البحث عن الحقيقة والسعي للكمال وليس طمس الحقائق واقتناص الفرص للنيل من الآخر. وفي هذا السياق لابد من ذكر الحديث الشريف الذي قد يكون خير منار لنا في منطق الحوار الذي نتحدث عنه، بحثا عن الحقيقة والحق. والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: «اللهم ارني الاشياء كما هي! ارني الحق حقا وارزقني اتباعه وارني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه». وهو حديث في غاية الفصاحة والبيان يمكنه ان يفيدنا كمثقفين واعلاميين وكساسة حاكمين او محكومين، ونحن نبحث اليوم حائرين متحيرين عما يجري حولنا من احداث في اطار زحمة من الصراع والتضاد. وحده التسلح بهذا المنطق القوي السليم يمنحنا قوة الاقناع في ميدان السلاح كما في ميدان الحرب في معالجة ملف معقد ومتداخل ومتشابك ومشوش مثل افغانستان كما في معالجة ملف واضح وشفاف وصريح مثل ملف فلسطين. واي منطق آخر، سيفضي بنا اما الى حرب مجنونة عدمية كما في افغانستان، او اى مفاوضات عبثية تدور في حلقة فارغة ومفرغة من الحقيقة كما في فلسطين. اللهم ارزقنا قوة البصيرة قبل البصر حتى نعلم حقيقة الاشياء كما هي اولا ومن ثم ارزقنا قوة التمييز بين الحق والباطل في هذا الشهر الفضيل. ـ محلل سياسي ايراني