في رمضان دائما يجد المسلمون فرصة روحانية سانحة ينفقون فيها جانبا كبيرا من اوقاتهم في التعبد والتدبر والدعاء لله، ولكن مع مقدم رمضان هذا العام يجد المتابع امامه احداثا مؤسفة تتواكب مع الشهر الكريم، وتأخذ باهتمام الناس، ألا وهي احداث الحرب الضارية التي تدور رحاها في افغانستان، حيث القنابل المتنوعة الشكل والحجم والأثر تتقاطع مع مصير هذا الشعب الافغاني الذي يبحث بين الركام عن مصالحه وبين مصالح اخرى كثيرة لاطراف متعددة، ما بين محلي واقليمي ودولي.. بينما تتراوح عملية التثقيف والتجنيد لمصلحة هذه الحرب او ضدها، بين الكلمة والفعل، بين الدعوة الصالحة والتخريب الاعمى. وتسيل المحابر العربية لتظهر لنا الكثير مما خفي من الوجه الآخر لهذا الذي يحدث في شكل كتابات ومذكرات وسير شخصية عن آمر كان ولايزال يدور بين ظهرانينا، بعضنا يعرفه ويتتبعه ويدرك ابعاده، واغلبنا غافل عنه، بالرغم من خطورته واضراره، وهو ان فئة واسعة من شبابنا العرب قد وجدوا طريقهم الى التشتت خارج حدود بلادهم، وزجوا بأنفسهم في لجة غامضة وعميقة من الصراع الحضاري، قد عرفنا بعضه حتى الآن في اشكال مختلفة من الارهاب، وربما يغيب عنا الكثير مما يمكن ان يحدث في المستقبل. ولعلي ادخل في الموضوع من زاويتين، الاولى ما قرأته على شبكة الانترنت في الفترة الاخيرة، وهو مقال عن موقف بعض رجال الدين، او من لبسوا عباءات رجال الدين المسلمين، فأحدهم يفتي بما يقود شبابا في ريعان صباهم الى افكار ومفاهيم تفرق الجماعة وتسول لهم ما ارتكبوه بحق مجتمعاتهم وابناء دينهم من تدمير وتخريب.وهم فرق وجماعات شتى، وكل جماعة لها زعيم أو امير، وكل لها دوافع وطموحات وهيكل وايديولوجية تختلف عن الاخرى. فهناك دراسة نشرها احد مراكز البحث حول رجال الدين المسلمين، وكان عنوانها «هل هم جزء من المشكلة ام جزء من الحل؟» والدراسة تتبع بعضا من هؤلاء وترقب اتجاه فتاواهم العامة، بل ان جزءا من الموضوع خصص لفتاوى الشيخ يوسف القرضاوي وهو شخصية اسلامية كبيرة، له مناصرون ومريدون، كما ان له منتقدين ومناوئين سواء من الصف الاسلامي او خارجه. ولكن ما ساءني من قراءة هذه الدراسة انها بعد ان عرضت لبعض فتاوى الشيخ القرضاوي، اشارت الى شخصيتين في الادب الغربي، وهما الدكتور جيكل والسيد هايد، وقارنت بين شخصية الشيخ وهاتين الشخصيتين. ومن يعرف ذلك النوع من الادب يدرك ان تلك الاقصوصة الخيالية تنبيء عن شخصيتين في شخص (!)، وهذا التحامل ـ الذي لا نقبله ـ وجدنا مثله الكثير فيما وقع تحت ايدينا من كتابات، فنسبة منها تتضمن شيئا من التهويل وتنتهج نهجاً بعيداً عن العلمية في التحليل والمنطقية في التناول والدراسة، ولكن على الجهة الاخرى نجد الكثير من الكتابات تسترعي الانتباه، بل تبعث الارتجاف في القلوب، والذهول في العيون، لما بها من حقائق غفلنا عنها جميعا، فتراكمت تداعياتها حتى صرنا وصار العالم الاسلامي كله يعاني تحت حصار الوضع الذي نعيش فيه الآن. من هذه الكتابات كتاب السيد البري الذي يحمل عنوان «الدنيا اجمل من الجنة» (!). وبالرغم من التحفظ «المبدئي» على هذا العنوان، واظن انه من اختيار الناشر الذي اراد ان يحقق اكبر مبيعات ممكنة من الكتاب، فاعتمد هذه الاثارة البادية في العنوان، بالرغم من هذا التحفظ، فإن الكتاب يتضمن الكثير، بين سطور صفحاته التي لا تتجاوز المئة من القطع المتوسط «وقد صدر في بيروت في يوليو الماضي» وهو يحكي قصة «مجاهد» من صعيد مصر وبالتحديد مدينة اسيوط، التي لفتت الانظار في الثمانينيات وما بعدها لما حملته فوق اراضيها من مجموعات اسلامية متطرفة تنتهج العنف. وهذه قصة لا يدعي كاتبها البطولات فهو يقول بوضوح انه «لم يشارك في تدريبات جهادية وليس في جعبته حكايات غريبة عن الامراء الذين يتزوجون من بدا لهم من اقارب الاتباع». ولكنه يحكي قصة تجنيده وانتمائه الى «الجماعة الاسلامية» وهي واحدة من الجماعات التي ظهر ت في مصر وجندت عدداً كبيراً من الشباب عن طريق طرح مباديء ومفاهيم تمثل اجتهادات يرفض معظمها جمهور الفقهاء، ولكن هؤلاء يريدون ان يروجوها بالصاقها بالاسلام والادعاء بأنها تعبر عن روحه، وان ما عداها هو الضلال بعينه(!). والشاب اليافع هو ـ كما يبدو ـ من طبقة متوسطة، يعيش في بيئة مختلطة كما هي حال كثير من اسر تلك المدينة، ويدرس في مدرسة الراهبات الفرنسيسكان.. وقد التقطته الجماعة من ملاعب كرة الصغار، اولا بالحديث معه عن زيارته للمسجد والمداومة على الصلاة، وذلك جهد لا ينكره احد، بل ترحب به الاسر وتسربه، ومن هناك ـ يقول الكاتب ـ «تعرفت على الشيخ طارق احد اطيب الناس واخلصهم بين من قابلتهم في حياتي، واتفق معنا الشيخ طارق على تنظيم حلقات دروس يومية في المسجد لتعلم مباديء الفقه والسنة. لم يكن الفتى يواظب على هذه الدروس، ففي بعض الاوقات ـ كما يقول ـ كان يتخلف عنها، لمجرد مشاهدة فيلم في التلفزيون او اللعب مع اقرانه، ولكن يبدو كما يقول البري ان الشيخ طارق قد ادرك انشغاله بشئون اخرى فطلب منه ان يعد موضوعا يتناول حكم الاسلام في الغناء كي يلقيه على زملائه، «ولما قلت اني احب الغناء ولا أتخيل اني امتنع عنه» قال له الشيخ «ومن قال انك ستمتنع عنه، فقط ابحث في المصادر»، واعطاني بعض الكتب. يقول الكاتب: «جلست استمع الى ميادة الحناوي وانا اقلب الكتب التي قدمها إلي وانقل منها، ثم ذهبت الى حلقة الدرس، وقرأت ما كتبته على زملائي، وبعد ان انتهيت هنأني الشيخ طارق الذي اتبع تهنئته بتنبيهي الى انني اصبحت عالما بهذه النقاط التي نقلتها، وان هذا يلقي علي مسئولية ويجعل حسابي من الله اشد، خاصة وانا عليم بالحكم في هذا الامر غير جاهل به. ثم يتابع «حين عدت الى المنزل حزمت امري على محو كل شرائط الغناء التي امتلكها». ثم يتابع الكاتب القول انه بعد «اسبوعين تخلفت عن الجماعة لاشاهد مسرحية ريا وسكينة، وفي هذه المرة تولى الشيخ بنفسه شرح حكم من ينظر الى امرأة لا تستر جسدها.. ثم عرج الى تحريم مشاهدة التلفزيون». و تمضي الامور مع صاحبنا الشاب اليافع ليصبح «امير الجماعة الثانوي» وينقل من مدرسة الى اخرى كلون من العقاب على تبنيه هذا النشاط، يقول انه كان يشعر كأنه يتلذذ بذلك العقاب والنقل من المدرسة واستدعاء والده المتكرر للجهات الرسمية، ثم يتابع القول: «في صيف 1987 بدأت الجماعة تعرض افلاما عن الجهاد في افغانستان، مصحوبة باناشيد ثورية وصور لاطفال الحرب المشوهين وبتعليقات حماسية تحقر الذين يتخلون عن اخوانهم المسلمين.. وهذا كله في اطار سرد معجزات في الحرب تتحقق على ايدي المجاهدين» ثم ينتقل الى تدريس الجماعة لفقه الجهاد وفقه الحسية الى ان يصل الى تكفير الحاكم، ثم الى منافاة العمل بالديمقراطية فيقول: انه إبان فترة الانتخابات التشريعية اصدرت الجماعة كتيبا بعنوان «إله مع الله» كما اعتمدت كتيبا اصدرته جماعة التوقف والتبيين، واسمه «السديد في بيان ان مجلس الشعب منافٍ للتوحيد». ويأخذنا هذا الكتاب مع مسيرة هذا الشاب الذي تدرج منذ سن الرابعة عشرة عندما كان احتكاكه الاول بالجماعة الى ان تخرج في كلية الطب. وقد جرى عليه ما جرى من عنت من بعض رفاقه عندما قرر ان يتساءل خارج ما يعطونه من كتب، وما يقررونه من منهج، ثم يتساءل عن الهدف النهائي لما هو فيه وعن مستقبل ما يقوم به. تلك سيرة واحدة لا أجزم الآن بمدى دقتها في السرد، وان كنت لا أجد كثيرا من النقاط التي تبعث على التشكك فيها ايضا، فالاسم واضح، والشخصيات التي سرد الكاتب شيئا عنها او نسب اليها احداثا، اسماؤها ـ او بعضها ـ معروفة للعامة، كما ان الكتاب منشور من شركة معروفة.. لكن سيل الكتابات الاخيرة التي تدفقت علينا في الاسابيع الاخيرة تنبئنا بأن هناك عددا وفيرا من شبابنا قد سقطوا في دائرة الغلو والتطرف، بعد ان استغلت جهات معينة شغف هؤلاء الشباب الى معرفة دينهم، فغرست فيهم قيما احادية النظرة، منغلقة التفكير، منعزلة عن الآخرين، لا تطور مجتمعا ولا تنفع انسانا، وكل ما فعلته انها ملأت الدنيا تخويفا وترهيبا، وتدميرا، وترويعا، حتى استطاعت هذه الجهات غير الرحيمة بشبابنا ان تجعل منهم آلات صماء تنفذ ولا تعي، وتقتل من دون ان تفكر، وتعادي حتى الاقربين بقلب بارد (!). وان كانت هذه الجهات قد استغلت الاوضاع الاقتصادية والسياسية غير المواتية، والفراغ التعليمي والمنهجي عند الشباب، والحماسة العفوية التي تطغى على الناس حيال دينهم، لتجند الآلاف من الشباب وتدفعهم في طريق يتجه ضد مجتمعهم، بل ضد دينهم ذاته، فإن المسئولية تقع ايضا على المجتمع العربي الذي لم يستطع ان يضع مشروعاً كبيرا يحتضن هؤلاء الشباب، بما ينفع الفرد والمجتمع في وقت واحد، كما ان كثيرا من مجتمعاتنا لم تبذل جهودا من أجل حل مشكلاتها المزمنة او حتى تخفيف حدتها، فتراكمت وتأزمت لتصبح جداراً سميكا يحول بين الشباب وممارسة حياتهم الطبيعية، ويشيع اليأس في قلوب الجميع ثم يجيء بعض من رجال الدين لا يعون مسئوليتهم الدينية والاجتماعية تجاه امتهم، ويسكبون مزيداً من الزيت على النار المشتعلة، فيصبحون بذلك جزءا من المشكلة بدلا من ان يكونوا جزءاً من الحل(!). ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت