لو ان الشعوب المظلومة اليوم تقتنع بأن المؤسسات العالمية المسئولة عن الامن العالمي، وعن مجاعات الشعوب وكوارثها قادرة على التأثير أو فعل شيء يذكر، دون ان تنقاد تحت تأثير القوى ولا تفقد توازنها وتوازن مكاييلها لأمن الجميع، ولو أن هناك عدلاً في بقعة من بقاع الارض للجأ اليها المظلومون والمنهوبون والمقهورون والذين تقطعت بهم السبل في عالم يعيش شريعة الغاب، فيما نحن في قرن يتمتع بقمة ما وصل اليه الانسان من تأمين الشروط والقوانين. لكن هناك خللاً كبيراً في الميزان، فالقوي في هذا الزمن الفريد صار يحكم بالسوط والحكمة في آن واحد، فاختلطت الامور وصار المنطق المحسوب بدقة وعناية أعوج في حالة الصواب ومستقيما في حالة الخطأ. واخر اخبار الشاكين على شارون لدى القضاء البلجيكي في قضية ادانته بارتكاب المذابح الجماعية في مخيمي صبرا وشاتيلا اثناء الغزو الاسرائيلي على لبنان خريف العام 1982 والتي اسفرت عن سقوط المئات من القتلى، ان القضاء البلجيكي قرر توجيه مذكرة مثول في نهاية الشهر الحالي في غرفة الاتهام وامام القضاة الذين سيوجهون سلسلة الاتهامات التي تقدم بها الشاكون وهم مجموعة نجت من المذبحتين وتأثروا بهما. فهل سينجح القضاء البلجيكي في جلب شارون من زنّاره كما فعلت محكمة لاهاي مع المتّهمين في قضية طائرة لوكيربي، ام الذين اخذوا الى هناك عرب ومن المفترض ان يساقوا كالنعاج، وشارون سيد ورئيس حكومة ويهودي ولا يجوز لأي قاض ان يستدعيه الى قفص الاتهام مثله مثل بقية المتهمين في جرائم؟. 23 شخصا مكلوما يعيشون جراح الجريمة التي ارتكبها شارون، ويطالبون بحقوقهم منه، 23 شخصا يبحثون عن مكان للعدالة يساق إليه هذا الارهابي من اجل ان يظهر الحق ويزهق الباطل، لكن يبدو ان ذلك ضرب من المحال... المحال الذي دائما ما يقف بوجه أي قضية تتعلق بحق عربي في عدالة هذا العالم الذي تأسست اركانه على مصالح الكبار والمتسلّطين والجبارين. فمحاكمة شارون أمام قضاء بروكسل لا تزال تبحث عن شرعية له!... رغم ان القضاء نفسه قد فتح الملفات واستمع الى الدعاوى التي رفعها المتضررون، شرعية محاكمة شارون تبدو في الظاهر مجرياتها انها ستأخذ جانب المماطلات، ليس في القضاء البلجيكي الذي فتح مجالاً في قوانينه لرفع الضيم عن المقهورين والمعتدى عليهم، ولكن في السراديب المظلمة للمنطق الذي يساق علينا ليفهمنا ان القانون لا يستطيع احيانا الحياة في ظل أسماء أقرت لها القوى المؤثرة في انفاس العالم فعل ما تريد. منطق مقلوب يبدو انهم يتجهون لترويضنا عليه كي نتعلم مع مرور الوقت ان نقول نحن عرب ولنا حقوق مثل الغير. يقول اخر عن محاكمة شارون انه من «المفترض» ان تتخذ المحكمة في الثامن والعشرين من الشهر الحالي قراراً بخصوص صلاحيتها للنظر في الدعوى المقامة على شارون بموجب قانون صادر في العام 1993 يعطي المحاكم البلجيكية صلاحية النظر في دعاوى جرائم الحرب والابادة والجرائم ضد الانسانية في أي وقت «وأيا» كان المتسبب فيها. فهل يمضي القضاء البلجيكي الى مبتغاه لكي يكون اول قضاء ينصف العرب في هذا القرن؟ halyan@albayan.co.ae