اصحا يا نايم قوم وحد الدايم.. نداء منغم يرتبط بالمراحل الأولى من العمر، ينضوى على كافة ما كان يحتوي عليه الفؤاد من تطلع إلى اكتشاف الدنيا، وتأهب بكر لتلقي مباهجها، أول ما سمعته في درب الطبلاوي حيث نقيم، درب هادئ من دروب القاهرة القديمة، والدرب أصغر من حارة وأكبر من زقاق، كان دربنا لا يفضي إلى آخر، لذلك عرف بين القوم أنه سد، لا يدخل إليه إلا من يسكنه أو من يقصده لذلك كان ظهور غريب فيه مما يثير التساؤل والريبة، لذلك كان الدرب مكانا آمنا للعب الأطفال في الأصباح الباكرة. على ناصية مدخله مسجد سيدي مرزوق الأحمدي، التلميذ والمريد الاشهر لسيدي أحمد البدوي الفاسي، الصوفي الذائع الصيت. والذي يقوم مرقده في طنطا، وسط الدلتا، ويحضر مولده السنوى أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، مسجد سيدي مرزوق العتيق، اضفى على الدرب خصوصية، خاصة لمن يسكن به، وثمة بناء آخر، قصر المسافرخانة، الذي كان فريدا في عمارته وزخارفه، وقد التهمته النيران قبل عامين وقضت عليه تماما. عم حسن كان من معالم دربنا أيضا، خاصة في شهر رمضان، في الشهور الأخرى يظهر في الحارة فلا يلفت النظر، إنه أحد سكانها الطيبين، متوسط القامة، نحيل الجسد، لديه مخزن تحت مسجد محمود محرم شهبندر تجار القاهرة في العصر العثماني، والمالك الأصلي لقصر المسافرخانة قبل أن يستولي عليه محمد على باشا ويخصصه كمقر رسمي للضيافة. كان عم حسن مشهورا بارتياده المزادات القديمة التي تقام صباح كل يومي جمعة وأحد ومنها يقتني أشياء نادرة، من التحف والأشياء الغريبة، كان المخزن يحتوي على كل ما يمكن للإنسان أن يتصوره بدءا من عجلات السيارات إلى الأواني النحاسية إلى الإطارات الخشبية إلى مداخن القاطرات وحتى محركات الطائرات، كان مخزنا عجيبا، غريبا، مازال قائما، وعندما يحل الشهر الكريم كان يشتهر بأمرين الأول اتقانه الليمون المخلل بدقة واتقان، كان يخرج أمام المخزن إناء زجاجيا مستطيلا، حاد الأضلاع، وكان ليمونه مشهورا في الجمالية برائحته النافذة القوية، ولكن بالنسبة لي أشهر باعتباره المسحراتي أنه أول مسحراتي عرفته وبالتالي أصبح المرجعية النهائية لكل مسحراتي. كان رمضان يعني بالنسبة لي في سنوات الطفولة الأولى، اكتمال الأسرة يوميا حول مائدة الطعام التي تشهد أصنافا استثنائية، مثل الحلوى، الكنافة والقطايف، وكانت أمي رحمها الله بارعة في إعداد الكنافة، ولم أعرف مذاقا يماثلها في كافة الأنواع التي تذوقتها فيما بعد شرقا وغربا، إضافة إلى العادات والعبادات اجتماعية أو دينية كانت تصاحب قدوم رمضان وحلوله كنت أشعر بألفة وحميمية مع رمضان وكأنها ألفة شخصية ومحبة لإنسان له قوام وكيان، ربما يرجع ذلك إلى تصوري للأيام والشهور، واضفاء مسحة إنسانية على كل منها، كان رمضان بالنسبة لي شيخا جليلا، باسما أبدا، مطمئن الملامح، يرتدي عمامة بيضاء وجلبابا أبيض، كل ما يمت إليه أبيض بلون الحليب الصافي،عيناه واسعتان، يحل بيننا عندما تثبت الرؤية، ويرتفع في الحارة صوت قراءة القرآن الكريم عبر الإذاعة من مسجد مولانا وسيدنا الحسين، لم يكن هناك تلفزيون في نهاية الأربعينيات، وكان عدد أجهزة المذياع في إطاره محدودا معدودا، مع ثبوت الرؤية يتم تبادل التهاني بين الجيران، وأتخيل الشيخ رمضان قد استقر بيننا، واضعا أمامنا مخلاة بيضاء فيها المباهج التي سنعرفها في أيامه. بقدوم رمضان يمكن لنا نحن الأطفال أن ننزل إلى الحارة لنلعب ليلا كما نشاء، في الأيام العادية تخلو الحارة من صياحنا وضجيجنا قبل الغروب، من أقوى الأسباب الخوف من العفاريت التي تمرح وتسرح في العتمة مع نزول الليل، وكنا نسمع الحكايات التي تروى عنها وأفواهنا مفتوحة خوفا ودهشة وكان أشهر العفاريت ما يظهر عند الفرن، الفرن الذي كان يقع وسط الحارة، كان الفرن في الأيام العادية يغلق أبوابه قبل الغروب، فيما عدا أيام شهر رمضان التي يسهر خلالها حتى الصباح لاعداد كعك العيد والبسكويت والغريبة، وكان الزحام يتعاظم أمام الفرن في النصف الثاني من شهر رمضان، مع قرب حلول عيد الفطر. كان العفريت الذي سمعت عنه حكايات عديدة يظهر في زي شرطي وعلى كتفيه شارتين لونهما أحمر، يتقدم بأدب جم إلى عابر السبيل ويسأله عن عنوان معين، أو شخص ما، ويرد بالشكر في حالة إجابة الشخص سلبا أو إيجابا، وعندما يبدأ ابتعاده، يسمع الإنسان وقع خطوات غريبة، يلتفت ليفاجأ أن العسكري له ساقي ماعز، نصفه الأسفل حيواني، والعلوي إنساني، هذا عن أشهر العفاريت الذي كان يثير الفزع ويحدث الخضة عند الإنسان لكن الأخطر أمنا (الغولة) وهي وسط بين البشر والجني الشرير، تسكن الخرابات والمنازل المهجورة، وخطورة الغول أو الغولة أنها تخطف الأطفال لتلتهمهم، تأكلهم وتهضمهم. في شهر رمضان لا الغولة ولا العفريت الشهير، ولا أي عفريت كان يمكنه الظهور، مثل هذه المخلوقات الشريرة تحبس ولا تظهر، هكذا تصبح الحارة آمنة، ويمكننا اللعب فيها بعد العشاء، إلى قرب منتصف الليل، حيث تتعالى أصوات الآباء والأمهات، نعود إلى البيوت لنجد طبقا فيه المكسرات، البندق واللوز وعين الجمل، وما تبقى من مشروبات حلوة بدأنا بها قبل الإفطار. مع العودة إلى البيت يبدأ انتظار المسحراتي، كنت أغالب النوم مصرا على السهر لأستمع إلى المسحراتي، إلى عم حسن، وكثيرا ما كان النوم يغلبني وأوصى أمي وأنا أبدأ الاغفاء أن توقظني عند مجيء عم حسن المسحراتي، غير أنني كنت في معظم الأحيان أستيقظ بمفردي من خلال منبه داخلي قوى، مازال يلازمني حتى الآن. اصحا يا نايم.. أصحا يانايم قوم وحد الدايم.. لم يكن عم حسن يستخدم عصا وطبلة، إنما كان يمسك بعصا غليظة، يقرع بها أبواب الحارة وكان صوته قويا رغم نحافة جسده، يبدأ قادما من بعيد، يتوقف أمام باب كل بيت بعد أن يقرعه بالعصا، ثم يذكر الأسماء فردا فردا. اصحا يا عم أحمد وحد الله اصحا يا بوفلان وحد الله.. قوم يا بو فلان وحد الدايم.. وينتقل إلى المنزل التالي، وهكذا إلى أن يصل إلى باب بيتنا رقم أحد عشر، يقرع الباب ويذكر الأسماء مناديا حتى يصل إلى اسم الوالد. أصحا يا عم غيطاني وحد الله.. عندئذ ينتابني سرور، وكثيرا ما كنت أسأل ابي عن الوقت الذي سوف يذكر فيه عم حسن اسمي وكذلك اسم أخي اسماعيل، وأخي علي، لم يكن يذكر إلا أسماء الذكور، فيقول الوالد ان هذا اليوم سيجيئ عندما تكبر وتصوم رمضان كاملا. عندئذ ينتابني ضيق، فحتى السابعة من عمري كنت أمتنع عن الطعام والشراب، تشبها بالوالدين، ولكن أمي كانت تقول لي وأنا دون الخامسة أن صيام الأطفال حتى الثانية عشرة ظهرا. كانت تشفق علي ألا أحتمل الامتناع عن الطعام والشراب، خاصة أنني كنت نحيف البنية. واهن الصحة، غير أن قوة داخلية تدفعنى إلى التشبه بالوالدين، هكذا قررت ألا يذهب والدي بمفرده إلى صلاة التراويح، وصلاة الفجر. حتى في أيام البرد القارس، إلى أن انقضت الأيام، وحل الوقت الذي يجب الصيام فيه، هكذا انتظمت أوقاتي طبقا لايقاع الشيخ رمضان، الشهر الذي كان يعد بمباهج عديدة تنوعت ونمت معي، بدءا من عائلية أيامنا واجتماعنا حول مائدة الإفطار إلى اللعب في الحارة بمأمن من العفاريت التي تحبس في شهر رمضان، إلى السهر في مقاهي القاهرة القديمة واستنشاق هذا العبق الخاص الذي لم أعرفه في أي مكان آخر إلا القاهرة القديمة، وبالتأكيد كان عم حسن من أبرز المعالم. وكان نداؤه لاسم الوالد، ثم لاسمي فيما بعد، يثير عندي من البهجة ما لم أعرف مثله فيما بعد، إنها بحق مواقيت البهجة.