بعد اجتماع قمة حميمي في تكساس، موطن جورج بوش، اصدر الرئيس الامريكي وضيفه الرئيس الروسي بوتين بيانا غير مسبوق اعلنا فيها انهما «متفقان» حول الوضع في افغانستان، وبالنظر في التطورات الجارية ميدانيا على الارض الافغانية وملامح الصورة العامة التي تتشكل، فان المرء لن يسعه الا ان يتساءل: الا يعني هذا الاتفاق تقسيم افغانستان الى جزأين: شمال يخضع لروسيا وجنوب يخضع للولايات المتحدة؟ الان وبعد اقل من اسبوعين من اقتحام قوات جبهة المعارضة الافغانية الشمالية مدينة كابول العاصمة، فان رقعة الارض الافغانية تبدو وكأنها انقسمت الى قسمين، شمالي وجنوبي، بالمعنيين الجغرافي والسياسي معا، فالقادة العسكريون للجبهة يتصرفون كما لو كانوا رموز حكومة جديدة، فقد فتحوا ابواب الوزارات والدوائر الحكومية المغلقة وخصصوا قوة مسلحة لتتولى اعمال الشرطة، وبوصول رئيس الدولة السابق برهان الدين رباني الى كابول يبدو وكأن رسالة الجبهة المعارضة الى العالم هي ان وجودها كحكومة قد اكتملت «شرعيته» وفور وصول رباني اندفع الى كابول وفد عسكري واستخباراتي روسي معلنا على الملأ انه جاء لتأسيس علاقات مع «الحكومة الشرعية». ومما يغري بأن هذا التطور يحظى بقبول غير معلن من الولايات المتحدة ان العالم لم يسمع اي احتجاج امريكي عليه، ويبدو ان الامر ينطوي على صفقة هي ان تعترف واشنطن بأن يكون الشمال الافغاني منطقة نفوذ لروسيا، وفي المقابل تعترف موسكو بأن الجنوب منطقة نفوذ للولايات المتحدة، وهذا التقسيم الجغرافي للاراضي الافغانية يتطابق مع التقسيم العرقي، فالشمال هو موطن القوميتين الطاجيكية والاوزبكية اللتين تتحدثان اللغة الفارسية، بينما الجنوب موطن قومية البشتون التي تتحدث قبائلها اللغة البشتونية بصورة رئيسية. هنا يطرأ سؤال: اذا افترضنا ان حكومة رباني بانفرادها بحكم الشمال سوف تكون بمثابة «الوكيل المحلي» لموسكو ، فأي حكومة سوف تضطلع بهذا الدور في الجنوب نيابة عن الولايات المتحدة بعد ان اطيح بنظام طالبان؟ ان من الواضح مرحليا ان اولوية الولايات المتحدة تنحصر حاليا في ملاحقة اسامة بن لادن وتنظيم «القاعدة» وقيادات طالبان فهذا هو الهدف الاستراتيجي الاصلي الذي من اجله شنت الحرب الامريكية في افغانستان. لكن على خط مواز تعمل الولايات المتحدة، كما يبدو من مؤشرات تزداد وضوحا كل يوم، على خلق قوة سياسية بشتونية جديدة من عناصر «معتدلة» لتتولى حكم الجنوب الافغاني كوكيل محلي. غير ان الصفقة تبدو ظاهريا وكأنها ناقصة. فأين موقع كل من باكستان وايران، وهما تمثلان معا اقوى القوى الاقليمية المحيطة بأفغانستان، من هذه الترتيبات؟ في هذا السياق بالتحديد لا توجد سوى مؤشرات ضئيلة. من هذه المؤشرات ذلك الموقف السلبي الذي اتخذته حكومة الجنرال مشرف الباكستانية منذ اقتحام قوات الشمال مدينة كابول مما يوحي بأن الحكومة الباكستانية ضالعة في المخطط الامريكي المستند الى الصفقة المبرمة بين واشنطن وموسكو. ومن المؤشرات المتعلقة بايران تصريح ادلى به القائد العسكري لجبهة المعارضة الشمالية يستبعد فيه تلميحا مشاركة «حزب الوحدة» في تشكيل السلطة الجديدة في كابول لان قواته لم تكن بين القوات العسكرية التي اقتحمت كابول. واذا استذكرنا ان «حزب الوحدة» هو تنظيم الاقلية الشيعية الافغانية فان معنى هذا التصريح هو استبعاد ايران من اللعبة السياسية الجديدة في المسرح الافغاني وفقا للصفقة الامريكية الروسية. ويبقى السؤال الأكبر: هل تنعم افغانستان باستقرار سياسي وفق هذه المعادلة؟ والاجابة في تقديري هي ان افغانستان مرشحة وفقا لهذه المعادلة لمرحلة جديدة من الفوضى.