سأل الصديق المستشرق جيل كيبيل العلامة الشيخ يوسف القرضاوي عن القتال الذي يدور بين فصائل تحالف الشمال الافغاني وقوات طالبان، لان الجميع مسلمون، مع احتمال ان يكون هناك مسلمون في الجيش الامريكي تأمرهم قيادتهم بمحاربة طالبان، وفي هذه الحالة ايضا فإن الجميع مسلمون. يقول كيبيل: لقد علمت بأن فضيلتكم افتيتم بجواز قيام هؤلاء المسلمين الامريكان بما يؤمرون به.. اي في النهاية قتال مسلمين من ابناء دينهم؟ فأجاب شيخنا الفاضل: لقد اثار المفكر الاسلامي الاستاذ محمد سليم العوا هذا الموضوع الافتراضي.. وقد وقع مثله في حرب الخليج الثانية حيث كان من بين افراد وضباط الجيش الامريكي ـ وربما البريطاني ـ مسلمون، وعندما سألوني رأيي قلت ان الاصل هو ان المسلم لا يجوز له ان يحارب المسلم وفق حديث نبوي مفاده ان سباب المسلمين فسوق وقتال المسلمين كفر، واذا التقى مسلم بمسلم في قتال فإن القاتل والمقتول في النار، وسأل احدهم صلى الله عليه وسلم الرسول قائلا: حتى المقتول يا رسول الله ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم لانه اراد ان يقتل». وانا اعتذر لدى قرائي الكرام في نقل معاني الحديث النبوي الشريف دون نقل عباراته بالضبط لاني كنت شاهدا على حوار الرجلين وانقله من ذاكرتي وهو حوار في صلب الاحداث، ينظر اليها كل منهما من منطلقاته الفكرية والروحية. يواصل الشيخ القرضاوي تعليقه على الجزء الثاني من السؤال، اي احتمال وجود مسلمين في الجيش الامريكي فيقول: لقد عبرت عن اجتهادي في هذا الباب مسترشداً بفقه الموازنات فالجندي مسلم ومواطن امريكي، ويمكن ان يحاول ما استطاع ان يتجنب قتال المسلمين بالطريقة التي يمكنه منها القانون... واذا لم يستطع واضطر الى الاشتراك في الحرب فلا جناح عليه لان عصيانه لاوامر القادة يمكن ان ينجر عنه ضرر اكبر، وهو اعتبار السلطة الامريكية وربما الرأي العام الامريكي لكل مسلم عدواً متمردا على المجتمع الامريكي، وهو ما سيعود بالضرر المؤكد على ملايين المسلمين الامريكان الذين يعيشون في ذلك المجتمع ويربطون مصيرهم بمصيره ولا مناص لهم من الانخراط في قوانينه ومقتضياته، هذا هو فقه الموازنة، القبول بضرر اصغر لدفع ضرر اكبر. فالضرر الاصغر هو ان يتقاتل مسلمون والضرر الاكبر هو ان يفقد ملايين المسلمين الامريكان حقوقهم وتضيع مصالحهم في حالة وقوع هذا الامر.. وهنا تدخلت في الحديث المتعمق لألاحظ بأن احد مشاهير المسلمين في بداية السبعينيات وهو الملاكم البطل العالمي محمد علي كلاي كان مجنداً للقتال في حرب فيتنام الشرسة الجائرة فأعلن رفضه للذهاب الى فيتنام بحجة ما يسمى في القوانين العسكرية باعتراض الضمير. وذلك حسب فلسفة هذا القانون للتعارض ما بين ضمير الجندي والعمل الذي يؤمر به ولو لم تخني ذاكرتي، فإن احدى المحاكم الامريكية العسكرية اصدرت حكمها بسجن البطل الامريكي العالمي المسلم وقبل السجن ورفض الحرب. وكانت تلك الوقفة المشرفة هي التي اعطت لسمعته ابعاداً اخلاقية وروحية جميلة زادت من صيت البطل، لا عند المسلمين وحدهم بل وعند اهل فيتنام اساسا وعند الرئيس السابق بيل كلينتون الذي كان هو ايضا من دعاة السلام في معضلة فيتنام. ورد العلامة الشيخ على ملاحظتي بأن فضيلته اوصى بأن يحاول المجندون المسلمون كل ما في استطاعتهم لاجتناب الحرب، وإلا فإن التهمة التي ستوجه اليه من عدم الولاء لامريكا وهم من رعاياها وهو ما سينجر عنه كما قلت ضرر اكبر وأوسع واشمل. ثم انتقل الحوار الى محور آخر واخطر وهو المحور المتعلق بالفتنة وكنت من قبل تطرقت مع جيل كيبيل الى التعليق على كتاب متميز ورفيع كتب عام 1990 بالفرنسية المفكر الاكاديمي التونسي الاستاذ هشام جعيط بعنوان «الفتنة الكبرى» وذلك حين سألني كيبيل كيف اترجم للفرنسية عبارة «الفتنة» فقلت له اني ابارك ترجمة هشام جعيط لها وهي LA GRANDE DISCORDE. ونعود للحوار بين الرجلين حول مفهوم الفتنة في عصرنا هذا.. فقال فضيلة الشيخ «لقد مرت الامة الاسلامية خلال العشرية الراهنة بفتنتين: الفتنة الاولى بدأت ليلة 2 اغسطس 1990 باحتلال العراق للكويت، وهي فتنة عظمى فتحت ابواب الخليج للامريكيين بفعل صدام حسين الذي ربما سقط في فخ مخطط امريكي، كثير من الدلائل تشير الى دور امريكي في جر العراق الى احتلال الكويت. اما الفتنة الثانية فهي بدأت يوم 11 سبتمبر 2001 والله اعلم بمن وراءها، فالجيوش الامريكية التي يطالب بجلائها اسامة بن لادن جاءت من الفتنة الاولى عام 1990 وهذه الفتنة الثانية من اشعلها ولاية غايات فقد بدأت الحرب ضد افغانستان ومن يدري اين تقف؟ ثم هاهو الغرب بجناحيه: امريكا والاتحاد الاوروبي، يعلن عن قوانين جديدة للطواريء بالغاء الضمانات الدستورية للحريات والديمقراطية وبدأ المسلمون في ديار الغرب يتعرضون لشتى اصناف العنصرية والمعاملات اللاانسانية، لقد سمعنا ابن لادن كأنه يركب الموجة بقوله عن الفاعلين انهم كوكبة من المؤمنين! لكن من يدري من وراء تلك العمليات الارهابية المخططة بدقة متناهية، فربما وراءها جماعات امريكية مدربة ومتطرفة غايتها نسف المجتمع الامريكي كما تعلن هي نفسها، وانا لا أزال معتقداً ان اسامة بن لادن المنقطع في المغارات والكهوف لا يمكن ان يصل الى هذا التدريب والتكنولوجيا المتقدمة بسهولة، ولابد ان وراءه دولة او مجموعة دول. ان هاتين الفتنتين كما نرى لهما صلة ببعضهما ولعل الاولى ساعدت على ايجاد الثانية، وهنا يرد المستشرق جيل كيبيل قائلا: «انني من خلال دراستي الطويلة لتاريخ الاسلام والمسلمين، وصلت الى الاستنتاج التالي: ان فتح باب الجهاد في اية مرحلة من مراحل تاريخ الامة يبدو سهلاً ولكن اغلاقه هو الاصعب، ان بداية الجهاد تبدو بسيطة ولكن نهايته بانتهاء اسبابه تبدو اصعب. ونواصل الاسبوع المقبل نقل هذا الحوار الثري لقرائنا الكرام. ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر