بمناسبة الحديث عما يورثه الآباء للأبناء سواء كانت التركة حافلة بالخير والبركة او كانت ارثاً ثقيلاً وتركة فادحة على نحو ما عايشناه في حديث سبق حين تطرقنا الى سيرة الأخ ايمري الذي اعدمته بريطانيا سنة 1945 باعتباره خائناً لوطنه ومتعاوناً من خلال الاذاعات والدعايات مع نظام هتلر النازي وهو حديث تطرق ايضاً الى ان الوالد السيد ايمري الاكبر هو الذي يتحمل امام التاريخ صياغة التصريح، المشئوم الذي اصبح معروفاً باسم وعد بلفور هذا الحديث يفتح ـ بعد اذنك ـ المجال لحديث أوسع عن الآباء والأبناء لا سيما وقد اطلعنا بمصادفة بحتة ونحن نكتب سطورنا هذه من تغريبتنا المؤقتة في مدينة نيويورك (وما ادراك بقسوة وتوتر الحياة في نيويورك، ناهيك عن الحياة في مانهاتن بالذات في هذه الايام) اطلعنا على دراسة موجزة نشرها الكاتب الامريكي بيتر جوريير على الموقع الالكتروني (الحاسوبي او المحوسب كما قد تصفه) لمؤسسة كرستيان ساينس مونيتور، والدراسة تبدأ بتصريحات كانت ادلت به السيدة مرجريت وهي ابنة الرئيس الامريكي الاسبق هاري ترومان وقالت فيها ان والدها على خلاف ما كان شائعاً لم يكن متحمساً لاعلان اعترافه واعتراف بلاده بكيان سياسي تم اعلان انشائه في غفلة من العالم تحت اسم اسرائيل في 15 مايو من عام 1948. ثم نقلت الدراسة عن مرجريت ترومان قولها ان والدها كان واقعاً بين عاملين متعارضين: الاول كان يتمثل في مستشاره الاثير وقتها كلارك كليفورد وكان يدفعه الى الاعتراف كسباً لأصوات اليهود من جهة وان اسرائيل سوف تخرج في كل حال الى الوجود بحكم الظروف الدولية التي كانت سائدة من جهة اخرى ومن ثم فليكن الاعتراف الأمريكي من باب «تربيح الجمايل» كما قد نقول. اما عنصر الضغط الآخر فكان يتمثل في الجنرال جورج مارشال الذي كان ترومان يعامله بتقدير شديد بل واعجاب اشد حتى ليقول ترومان يوماً: لست ادري ان كان هناك وسام يصلح يوماً للوفاء بحق صديقنا مارشال من الرفعة والتقدير. والحاصل ان صديقنا الجنرال مارشال كان غير متحمس للاعتراف باسرائيل كما تذكر مرجريت ترومان وكان لا يفتئ ينبه رئيسه الى عدم اغضاب العرب لا من اجل سواد عيونهم البدوية ولكن ببساطة او على بلاطة من اجل عيون البترول. وما يعنينا في هذا الحديث ليس الجانب السياسي ولا حتى التاريخي فليس هذا مكانه في كل حال بل ما يعنينا هو مسألة الآباء والابناء وخاصة عندما يتعاطى هؤلاء واولئك امور الشأن العام ومشاكله وقضاياه. ولسنا ندري في اي سياق ذكرت مرجريت ترومان هذه التصريحات ولكننا نعرف انها لم تعمل بالسياسة بل قيل انها وهي ابنة فخامة الرئيس اختارت صناعة.. الطرب.. والغناء وبرعت فيها الى حد ليس بالقليل (كان زمانها ـ عقد الاربعينيات ـ هو العصر الذهبي للراديو) ويقال ايضاً ان سارة ابنة الزعيم الانجليزي تشرشل كانت بدورها من محترفي صناعة الغناء في بلادها ولم يكن الامر وراثة بطبيعة الحال فقد كان الرئيس الوالد ترومان اقرب الى مديري الشركات الريفية او الى رجال الاعمال الناشطين في الاقاليم والدساكر فيما كان الزعيم الوالد تشرشل سياسياً مخضرماً وأديباً مطبوعاً وخطيباً مفوهاً بقدر ما كان استعمارياً عتيقاً وعميق الجذور. ومن بنات الزعماء من اشتهرن بفضل أضواء الاعلام التي سلطت عليهن.. لا بفضل موهبة في الغناء او التمثيل ولكن بحكم الرغبة في الاستغلال والتشهير نعم.. لقد طلعت مكاتب البروباجاندا الامريكية في مقتبل الحرب الباردة بحكاية ابنة ديكتاتور روسيا السوفييتية ستالين وكم طبل الامريكان وزمروا للسيدة المذكورة (ربما كان اسمها ستنسلافا او كان شيئاً من هذا القبيل) وقد أمكن تهريبها الى المعسكر الغربي ومن ثم استنطاقها ودفعها الى ان تعلن تمردها على ابيها الفظ الغليظ.. عدو الحرية والانسانية... الخ قال البعض ان ابنة ستالين كانت تعاني مرضاً عصابياً وقال البعض انها قد وقعت ـ المسكينة ـ في حبائل ضابط غربي شاب فقررت ان تقفو اثره الى آخر ركن في العالم وقال آخرون انها تعرضت لعمليات «غسيل مخ» على يد دوائر متخصصة في المعسكر الغربي ـ اوروبا الغربية وامريكا ـ والذي حدث ان طغت اخبار الابنة الستالينية زمناً واقتضت نصيبها من التشهير بزعيم الكرملين الذي رحل عن الدنيا في عام 1953 ثم نسي الناس امرها وربما كانت قد استنفدت اغراضها رغم ان الامريكان حاولوا تكرار القصة مع ابنة اخرى نشروا حكاياتها لزعيم اخر هو فيديل كاسترو. في دنيا الابداع الفني.. تصدق قاعدة اساسية تؤكد ان الموهبة لا تورث فهي عطية ثمينة من الله سبحانه لفرد بعينه وانسان بذاته ولا سبيل الى نقلها من جيل الى جيل.. أرأيت مثلاً الى ابناء الموسيقار محمد عبدالوهاب اكبرهم (محمد) يكاد يكرر هيئة ابيه الفنان الراحل الكبير.. النبرات.. طريقة الحديث.. النظارة السميكة.. لكن الابن يعمل مهندساً ولم يطرق باب الفن لا من قريب او بعيد. امير الشعراء أحمد شوقي عرف الناس اسم نجليه علي وحسين حين احتفل الشاعر الكبير بزفافهما في «كرمة بن هانئ»، دارة شوقي الجميلة على ضفاف النيل.. وقد ارتبط يوم الزفاف في الذاكرة المعاصرة أولاً بفضل زيارة الزعيم سعد زغلول لبيت شوقي مهنئاً بالفرح المزدوج (ثمة صورة نادرة تجمع بين سعد زغلول وقد بدت عليه علامات المرض وبين أحمد شوقي وقد جلس على طرف الاريكة ـ العثمانلية الثمينة طبعاً ـ وقد زاغت نظراته لسبب لا ادري كأنما يبحث عن شيء ما وربما كان يعيش قلق الوالد يوم عرس الابناء او كانت قريحته تجيش ببوادر قصيدة جديدة.. الله اعلم). اما السبب الثاني الذي جعل الناس يعرفون ان شوقي قد احتفل بزواج النجلين علي وحسين فيرجع الى اغنية آثر شوقي ان ينظمها خصيصاً للمناسبة باللهجة العامية (كانت عامية شوقي راقية) وقام عبدالوهاب الشاب وقتها بتلحينها وغنائها ولاتزال محفوظة في ارشيف ألبوم عبدالوهاب في مرحلته الكلاسيكية من أواخر العشرينيات وعنوانها «دار البشاير». مع ذلك فقد عاد الناس يذكرون واحداً من العريسين نجلي احمد شوقي وهو بالتحديد حسين شوقي الذي ينسب اليه تأليف واحدة من ابداعات عبدالوهاب المشهورة التي استلهم فيها لحن التانجو الذي كان قد ذاع في أيامها اواخر الثلاثينيات والقصيدة هي: سهرت منه الليالي مال الغرام ومالي ان غاب عني حبيبي فلست عنه، بسالِ وقبل جيل عبدالوهاب بفترة ليست بالقصيرة كان هناك جيل فنان موهوب آخر هو محمد عثمان (1855-1900) وقد حاول ابنه عزيز عثمان ان يحترف الغناء ولكن السماء لم تجد عليه سوى بصوت اجش فيه خشونة ويفتقر الى حنان الشجن الذي تهنو اليه الاسماع الشرقية والنفوس العربية وبعد ان ادى عزيز افندي عثمان عدة ادوار من ابداع ابيه ادرك كم ان المسيرة شاقة وغير واعدة وان الابداع هبة يختص الله بها من يشاء من عباده ولا تورث من الاباء الى الابناء ومن ثم فقد اكتفى عزيز عثمان من الغنيمة بأن تحول الى مطرب ساخر شبه هزلي ويشاء السميع العليم ان يبرع في هذا الباب ويحقق قدراً لا بأس به من الشهرة وخفة الظل ورغد العيش على السواء وكم تذكر اجيال من بعد اجيال اغنيته الساخرة «بطلوا ده واسمعوا ده» في فيلم «لعبة الست» لنجيب الريحاني كما تذكر اجيال احدث عهدا الفقرة التي اداها امام ليلى مراد من ألحان عبدالوهاب فقرة العريس الموظف المربوط ـ كما قال على الدرجة السابعة والناس درجات ومرشح آخذ التاسعة(!) غير العلاوات (!).