واجهت باكستان بعد أحداث 11 سبتمبر وضعاً حرجاً على المستويين، الداخلي والخارجي، سواء بالنظر إلى متاخمتها لأفغانستان أو علاقاتها الوثيقة بحركة طالبان الحاكمة بها. فعلى المستوى الخارجي، كانت إسلام آباد أمام خيارين كلاهما صعب: إما تحدى الولايات المتحدة وعدم التعاون معها في ضرب أفغانستان ونظام طالبان الحليف لها، وبالتالي تعريض نفسها للاستهداف عسكريًا وإعطاء الهند فرصة لتوثيق علاقاتها مع واشنطن وبالتالي مزيد من الضغوط عليها، وإما الاستجابة لكل طلبات الولايات المتحدة وبالتالي اتقاء ضغوطها وربما ضرباتها العسكرية والحصول على مساعدات اقتصادية كبيرة ولو إلى حين ، وقد اختار الرئيس الباكستاني برويز مشرف الخيار الثاني. وعلى المستوى الداخلي، أدى موقف الرئيس الباكستاني المؤيد بالكامل لواشنطن في حربها ضد أفغانستان إلى معارضة داخلية شديدة وخاصة من قبل التيارات الإسلامية المؤيدة لطالبان، وبالتالي بروز مخاطر الحرب الأهلية أو الإطاحة به عن طريق الانقلاب العسكري أو الثورة الشعبية. وعلى الرغم من أن الحفاظ على البرنامج النووي من أي اعتداء، كان أحد المبررات التي ساقها برويز مشرف لتفسير موقفه المؤيد للولايات المتحدة أمام معارضيه في الداخل، فإن مؤشرات عديدة تؤكد على أن هذا البرنامج قد أصبح بالفعل في دائرة الخطر مما يدعو إلى التساؤل: هل يكون البرنامج النووي الباكستاني ضحية الحرب في أفغانستان؟ وهل جاءت الفرصة المناسبة للولايات المتحدة والهند وإسرائيل للتخلص منه أو من «القنبلة النووية الإسلامية» كما يسميه البعض في الغرب على أساس أن باكستان هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي؟ برنامج باكستان النووي: من المعروف أن البرنامج النووي الباكستاني قد بدأ موجهًا بالأساس إلى الهند، متأثراً بعاملين أساسيين: أولهما: تاريخ العداء الطويل بين البلدين والذي شهد ثلاث حروب دامية أعوام 1947، 1965، 1971. وثانيهما: إقدام الهند على إجراء تجربتها النووية الأولى عام 1974. وكانت باكستان تراقب عن كثب المحاولات الهندية لامتلاك السلاح النووي ، وهو ما دعا ذو الفقار علي بوتو ، أبو القنبلة النووية الباكستانية، إلى القول في عام 1965 «إذا قامت الهند بصنع قنبلة نووية، فإن الباكستانيين سيأكلون العشب وأوراق الشجر، بل يجوعون إذا اقتضى ذلك للحصول على قنبلة نووية مقابلة» وهذا هو نفس ما قاله رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف بعد إجراء باكستان لتجاربها النووية في مايو 1998، حيث أكد أن بلاده سوف تلجأ، إذا اضطرتها الظروف، لبيع مكاتبها الحكومية لمواجهة آثار العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها. وبدأت باكستان فعلاً بعد عام 1974 في محاولة الحصول على وحدة إعادة معاملة اليورانيوم وتخصيبه، إلا أن جهودها لم تكلل بالنجاح بسبب الحظر التكنولوجي الذي فرض على شبه القارة الهندية بعد إجراء الهند للتجربة النووية في عام 1974، حتى أن كندا قد أوقفت تعاملاتها مع الهند وباكستان في هذا المجال، وحذت حذوها دول عديدة أخرى. وكان عام 1975 نقطة تحول كبيرة في السعي الباكستاني للحصول على التكنولوجيا النووية، ففيه عاد إليها من هولندا عالم الذرة الباكستاني الذي يوصف بإينشتاين باكستان الدكتور عبد القادر خان حاملا معه أسرار تخصيب اليورانيوم التي استخدمها في بناء قاعدة نووية في باكستان اعتماداً على معمل التخصيب المقام في كاهوتا. وفي عام 1984، وفي تصريح ذا مغزى، أكد عبد القادر خان أن ما توصلت إليه بلاده من تكنولوجيا نووية يعد إنجازاً كبيراً في ظل ظروف الحصار المفروضة عليها؛ لأن عملية تخصيب اليورانيوم تعد من أصعب المراحل في دورة الوقود النووية الكاملة، وأضاف قائلاً: «ليس هنا ما يقتضي بالضرورة أن يكون الاختبار دائماً على الأرض بل يمكن أن يجري في المعمل أو عن طريق أجهزة المحاكاة» ولأن هذا التصريح كان بمثابة «إعلان غير رسمي» عن قدرات باكستان النووية، وقدرتها على صناعة القنبلة الذرية، بدأ الحديث يتزايد في الغرب عن إمكانات إسلام آباد النووية حيث نشرت صحيفة الأوبزرفر البريطانية في عام 1987 تحقيقاً أشارت فيه إلى وجود معمل لتخصيب اليورانيوم في كاهوتا يعمل بنظرية الطرد المركزي التي طورها علماء بريطانيون وهولنديون وألمان يعملون في مؤسسة Almelo في هولندا، وهي نفس المؤسسة التي كان يعمل بها عبد القادر خان. وأضافت الأوبزرفر أن «الخبير البريطاني فرانك برنابي قدر أن مفاعل كاهوتا به حوالي ألف طارد مركزي قادر على إنتاج 45 كجم من اليورانيوم 235 المخصب بدرجة عالية كل عام، وهو ما يكفي لصنع قنبلة نووية قوتها 20 كيلو/طن. وإضافة لمفاعل كاهوتا، تمتلك باكستان مفاعلاً نووياً استوردته من كندا تبلغ قدرته 125 ميجاوات، ومفاعل آباد للأبحاث الصغيرة وتصل قدرته 50 ميجاوات، ومحطة قوى نووية في كاشيا قدرتها 600 ميجاوات قامت إيطاليا ببنائها في عام 1980، ويوجد أيضاً معهد العلوم والتكنولوجيا النووية وبه مفاعل صغير بإمكانه إنتاج من 10 إلى 20 كجم بلوتونيوم، ويقدر الخبراء المخزون الباكستاني من البلوتونيوم واليورانيوم المخصب بما يمكنها من صنع 21 قنبلة نووية عيارية قوتها 20 كيلو/طن. كما تمتلك الحواسب الإلكترونية فائقة القدرة التي تمتلك القدرة على تصغير الكتلة الحرجة للقنبلة النووية العيارية إلى أسلحة ذات قدرات أكبر «من نصف كيلو/طن إلى 15 كيلو/طن»يمكن إطلاقها من صواريخ أرض/أرض. وقد ساعد باكستان في سعيها لامتلاك السلاح النووي عاملان هما: 1 ـ تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية في فترة الحرب الباردة، وبصفة خاصة بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان في 1979، في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع الهند، وفي إطار ذلك أنشأت الولايات المتحدة لباكستان معهداً للأبحاث النووية عام 1963. إلا أنه ابتداء من عام 1990 أوقفت واشنطن برنامج معوناتها لإسلام آباد بسبب ما أطلقت عليه «نواياها النووية»، وكان ذلك أمراً طبيعياً بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، وتشير التقارير هنا إلى تجاهل واشنطن للخطوات الهندية في المجال النووي لمواجهة الصين، القوة النووية المناوئة للولايات المتحدة في آسيا. 2 ـ التعاون العسكري مع الصين، فقد ذكرت المخابرات المركزية الأمريكية في فبراير 1996 أن الصين قد باعت وحدات مغناطيسية متطورة لمركز الأبحاث النووية الباكستاني، واتهمت الهند باكستان ببناء مفاعل بحثي صغير تتراوح قوته بين 50 ـ 100 ميجاوات بمساعدة الصين في منطقة خوشاب. ومن هنا يتضح أن انتظار باكستان لفترة 17 يوماً بعد إجراء الهند لتجاربها النووية عام 1998 حتى تقوم بالرد عليها بتجارب مماثلة، لم يكن لغرض فني بقدر ما كان لغرض سياسي وهو معرفة رد الفعل الدولي، والأمريكي بشكل خاص، على التجارب الهندية، والذي جاء ضعيفاً، حيث لم تستطع الولايات المتحدة إقناع الدول الأوروبية بالاشتراك معها في فرض العقوبات الاقتصادية على الهند، وحتى العقوبات الأمريكية لاقت معارضة من العديد من الشركات ورجال الأعمال الأمريكيين الذين نظروا إليها على أنها تهديد لمصالحهم. وفي كل الأحوال، فإن تجارب الهند، قد وضعت باكستان، أو بمعنى أصح، الحكومة الباكستانية أمام خيار واحد هو المضي قدماً في الرد عليها مهما كان الثمن وبصرف النظر عن ردة الفعل الدولية في هذا الشأن، وهذا ما لوحظ منذ اليوم الأول للإعلان عن التجارب الهندية، حيث قطع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف زيارته لقازغستان وعاد إلى بلاده، ثم اجتمع على الفور مع مدير البرنامج النووي عبد القادر خان الذي أعلن أن بلاده يمكن أن تقوم بتفجير نووي خلال أسبوع فقط. وكانت باكستان في ذلك مدفوعة بعدة عوامل أهمها: الضغط الشعبي الكبير الذي مورس على رئيس الوزراء نواز شريف من كافة القوى السياسية، حيث اتفق الجميع على ضرورة الرد مهما كانت العواقب، وكانت زعيمة المعارضة ورئيسة الوزراء السابقة بناظير بوتو واضحة في تعبيرها عن الموقف الشعبي حينما خيرت نواز شريف بين الرد على الهند أو الاستقالة. ومن الأمور الجديرة بالملاحظة هنا هي: أنه في الوقت الذي تقابل به التجارب النووية بالرفض والاستنكار في معظم دول العالم على المستوى الشعبي، فإنها قوبلت بالترحاب وإقامة الاحتفالات في كل من الهند وباكستان، مما يعكس عمق الإدراك الشعبي في كلا الدولتين للتهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي في كل منهما، وأهمية السلاح النووي في درئها، إضافة إلى تجذر العداءات في المثلث الهندي - الصيني - الباكستاني. سيطرة حزب بهارتيا جاناتا الهندي المتطرف على الحكم في الهند، وتعيينه لأحد أكثر الوزراء في الحكومة تطرفاً لشئون كشمير، حيث تعهد «بتلقين باكستان درساً قاسياً» إضافة إلى اتجاهات الحزب المتطرفة تجاه المسلمين في الهند. أنه لم يكن من الممكن سكوت باكستان عن الرد على الهند، بعد أن وجدت نفسها وقد أحيطت بسياج من الدول النووية يتمثل في الهند والصين وروسيا وكوريا الشمالية. ما تأكد لباكستان من تواجد أياد إسرائيلية خفية في القضية، حيث ذكرت بعض المصادر أن شاشات الرادار الباكستانية قد رصدت قبيل ساعات من إجراء إسلام آباد السلسلة الثانية من تجاربها النووية طائرات مقاتلة معادية تشبه طائرات إف -16 الأمريكية تنتهك المجال الجوي الباكستاني، وبما أن سلاح الجو الهندي لا يستخدم هذا النوع من الطائرات، فقد توصلت باكستان إلى أن هذه الطائرات هي طائرات إسرائيلية كانت تستطلع إمكانية ضرب المنشآت النووية الباكستانية، وأكدت هذه المصادر أنه على الرغم من نفي إسرائيل لذلك، فإن الهواجس الباكستانية لم تكن بلا أساس. ـ مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية ـ لندن