لو عاد الجنرال برويز مشرف الى كتاب تاريخ العلاقة الباكستانية الامريكية لما تورطت بلاده في المغامرة الافغانية التي دفعته واشنطن اليها. من بين كل القوى الخارجية المصطرعة على المسرح الافغاني ـ سواء كانت في الجوار الجغرافي او خارجه ـ فان باكستان هي الخاسر الاكبر، وربما الاوحد. فقد سمح الجنرال مشرف لنفسه بعقد صفقة استراتيجية مع الولايات المتحدة دون ان يصر على قبض الثمن مقدما او على الاقل الحصول على ضمانات وحتى الوعود التي تلقاها باتت الآن، على تواضعها، موضع شك. وما لاريب فيه ان الحكومة الباكستانية تعاني الآن صدمة وانها موعودة بصدمات لاحقة الصدمة الاولى تمثلت في امتناع الادارة الامريكية عن تسليم باكستان عددا من الطائرات الحربية المتقدمة من طراز ف ـ 16 رغم ان ثمنها دفع مقدما. القصة قديمة لكن فصلها الاخير لم يكتب بعد، كانت واشنطن قد وافقت على بيع باكستان هذه الطائرات ذات التكنولوجيا العالية في وجه احتجاج هندي غاضب عندما كانت الولايات المتحدة في النصف الثاني من الثمانينيات، وعلى عهد الرئيس ضياء الحق في حاجة الى الدعم الباكستاني ضد الوجود السوفييتي في افغانستان. ولما تحقق الانتصار النهائي بطرد الجيش السوفييتي، وبالتالي لم تعد الولايات المتحدة بحاجة الى الدعم الباكستاني، تنكرت واشنطن للصفقة التي كانت اسلام اباد قد دفعت ثمنها مقدما، فمن اجل امتصاص الغضب الهندي رفضت واشنطن تسليم الطائرات. هذا المشهد التاريخي يتكرر الآن بحذافيره وكأنه وقع الحافر على الحافر، فبعد عقد من الزمان تعود الولايات المتحدة الى المسرح الافغاني ورغم ان العدو المطلوب القضاء عليه ليس الاتحاد السوفييتي وانما نظام طالبان الحاكم، الا ان الحاجة الامريكية للدعم الباكستاني هي الآن في الحاضر كما كانت في الماضي. لكن الجنرال مشرف لم يشأ ان يقول للرئيس بوش «سلمونا الطائرات اولا»، ثم يمضي بعد ذلك في فرض شروط اخرى مستثمرا الفرصة ولذا فانه كما انقلبت واشنطن على حكومة الرئيس ضياء الحق والحكومات الباكستانية المتعاقبة برئاسة بنازير بوتو تارة ونواز شريف تارة اخرى، فانها تنقلب الآن على حكومة الجنرال مشرف. وليت الامر اقتصر على قصة الطائرات. بل وفي الحقيقة فان امتناع الادارة الامريكية عن تسليم الطائرات هو اقل الخسائر التي منيت بها باكستان في المغامرة الافغانية المتفاعلة. منذ الوهلة الاولى راهنت ادارة بوش على باكستان باعتبارها القوة الاقليمية الاولى ذات النفوذ التقليدي الاعظم على مسرح الاحداث في افغانستان بحكم التاريخ والجغرافيا والخبرة المعلوماتية الاستخبارية، وعلى هذا الاساس كانت الولايات المتحدة تدرك ان من المستحيل ان تخوض مغامرة حربية ضد افغانستان للاطاحة بنظام حكم في كابول يحمل شعارات اسلامية دون حليف اقليمي يملك اوراق اعتماد محلية ليكون في الواجهة. ولكن مجرد ان تحقق ذلك الاختراق الحربي الكبير الذي دفع بقوات «جبهة الشمال» الى كابول وبسط سيطرتها، بات من الواضح انه قد توفرت للولايات المتحدة ورقة بديلة .. فانتفت صلاحية الورقة الباكستانية. في غضون ايام فقط تقهقرت باكستان الى كواليس المسرح الافغاني لتأخذ مكانها في المسرح جبهة التحالف الشمالي كأداة محلية جاهزة للاستغلال الامريكي لتوجيه التطورات الافغانية اللاحقة من منظور اجندة واشنطن. واذا اخذنا في الحساب ايضا ان فصائل جبهة الشمال تمثل فيما بينها قوتين اقليميتين اخريين، ايران وروسيا، فاننا نستطيع ان ندرك مدى فداحة الخسران الاستراتيجي الذي منيت به باكستان. وهكذا فان الحسابات الخطيرة لا تأتي الا بنتائج خطيرة. احمد عمرابي