تطرح تساؤلات حول التحرك البريطاني في قضية الشرق الاوسط هل هو تحرك يصب في اتجاه تفعيل حقيقي لمسار السلام المتعثر منذ اشهر طويلة، ام هو تحرك يهدف توني بلير ـ من ورائه ـ الى تحقيق مكاسب سياسية؟ للحقيقة لا يمكن ان نفصل بين الدعوة البريطانية ، لحل مشكلة الشرق الاوسط عبر اقامة دولة فلسطينية وبين المشاركة البريطانية الى جنب الولايات المتحدة الامريكية في الضربات الجوية على افغانستان، ان بريطانيا تعد الدولة الاوروبية الوحيدة من دول الاتحاد الاوروبي التي اعلنت صراحة وقوفها ومساندتها للولايات المتحدة الامريكية في حربها على ما تسميه بـ «الارهاب الدولي» وهذا استثناء لبقية دول الاتحاد الاوروبي التي اكتفت بالدعم المعنوي واللوجستي للولايات المتحدة الامريكية من دون ان تورط نفسها في حرب تعتبر نفسها بعيدة عنها علاوة على ذلك ان دول الاتحاد الاوروبي ـ على رأسها فرنسا ـ تحاول ان يكون لها نوع من الاستقلالية عن الولايات المتحدة الامريكية، لذلك رفضت المشاركة المباشرة الى جنب الولايات المتحدة الامريكية لكي لا يؤخذ الانطباع على انها لا تزال تتبع القرار الامريكي.. اما بريطانيا، فإنها تجد نفسها في وضع حرج فانصياعها السريع للقرار الامريكي بالمشاركة معها في الحرب، فسر على انها ـ اي بريطانيا ـ لاتزال تتبع المظلة الامريكية، وتقربها من الولايات المتحدة اكثر من تقربها من الاتحاد الاوروبي، ولازالة هذا الانطباع عمد رئيس الوزراء توني بلير الى احداث «مسرحية سياسية» حيث راح يعلن صراحة عن تأييده لاقامة دولة فلسطينية وهو ما راحت وسائل الاعلام العالمية تبثه وتنشره معتبرة ذلك تغيراً في الموقف البريطاني من الازمة في الشرق الاوسط بعدما كان موقفها متصلباً ومعارضاً للدولة الفلسطينية، ولم يكتف «توني بلير» بالقاء هذا التصريح، بل فاجأ العالم بزيارة لسوريا التي تتهمها الولايات المتحدة الامريكية على انها دولة ترعى وتساند ما تسميه «الجماعات الارهابية» وذلك لاعطاء انطباع ايضا، على ان بريطانيا مستقلة في سياساتها وفي اتخاذ قراراتها بدليل انها زارت دولة عربية تضعها الولايات المتحدة الامريكية في قائمة الدول المغضوب عليها!! هذا ما كان يرمي اليه توني بلير لارضاء الشارع البريطاني والشارع الاوروبي، واكثر من ذلك كله يريد توني بلير ان يضرب عصفورين بحجر واحد، فهو لا يريد ان يبتعد عن المظلة الامريكية لخوفه من ان ذلك يمكن ان يؤثر على مصالح بريطانيا في الترتيبات الجارية لاقامة النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية وتعتقد بريطانيا ان وقوفها غير المشروط مع الولايات المتحدة في جميع ازماتها الدولية سوف تستفيد من ورائه، سواء اقتصادياً او عسكرياً، او الحصول على مواقع جديدة في النظام الدولي الجديد، هذا من جهة ومن جهة اخرى تتخوف بريطانيا من احتمال ان تخسر مكانتها في القارة الاوروبية، امام المنافسة الفرنسية الشرسة، ومعروف عن فرنسا، انها الدولة الاوروبية الوحيدة التي نددت بسياسة شارون القمعية في مقابل ذلك كان موقف بريطانيا من الدولة الفلسطينية يتسم بالغموض والضبابية، فها هو «توني بلير» يعلنها صراحة عن موافقة بريطانيا لاقامة الدولة الفلسطينية وفاجأ هذا الاعلان العواصم العربية التي تعاملت معه «بحذر» ولم تعلق عليه كثيراً لانها تعرف سياسة وموقف بريطانيا من قضية الشرق الاوسط فهي سياسة معروفة بالعداء للفلسطينيين، ويعد الشعب البريطاني من اكثر الشعوب الاوروبية التي ترفض اقامة «دولة فلسطينية» حسب استطلاع اجرته مجلة «لوموند» الفرنسية «54بالمئة يرفضون اقامة دولة فلسطينية» معنى ذلك ان بريطانيا تستعمل القضية الفلسطينية كورقة رابحة للحصول على مكاسب استراتيجية، فهي لا تريد ان تكون فرنسا «حالة اوروبية استثنائية» تدعم الفلسطينيين والعرب على حد سواء، هذا اذا علمنا ان بريطانيا غير مرتاحة من سياسة الرئيس الفرنسي «جاك شيراك» الذي يسعى الى الاقتراب من الدول العربية والافريقية، انطلاقاً من قناعاته «الديجولية» الرامية الى دعم العلاقات مع الدول العربية، فبريطانيا اصبحت مقتنعة اكثر من اي وقت، بأنها سوف تخسر سياسياً واقتصادياً، اذا ابقت على موقفها المنحاز الى اسرائيل، وهذا سوف يكون في مصلحة فرنسا واكثر من ذلك كله، اصبحت بريطانيا تدرك بأن الدولة الفلسطينية سوف تقام لانها حقيقة يتعين الاعتراف بها اليوم قبل الغد، لكي لا تخسر مكانتها ومصالحها في منطقة حساسة للغاية. ـ كاتب جزائري