حدث هذا قبل حوالي خمسة عشر عاما. كنا في المغرب نعقد اجتماعا لاتحاد الصحفيين العرب. ودعينا للقاء وزير الإعلام. وفي الموعد المحدد ذهبنا للقاء الوزير فإذا بالسيارات تتجه بنا إلى وزارة الداخلية حيث تم الاجتماع، فقد كان المغرب ينفرد بتجربة دامت سنوات تولى فيها الرجل القوي في النظام الوزير البصري وزارتي الداخلية والإعلام معا!! كانت قد مضت سنوات طويلة على تلك التقاليد التي نمت في عهد الاحتلال والذي كانت فيه الصحافة والرقابة عليها مسئولية الشرطة ووزارة الداخلية. وكانت وزارات الإعلام قد تواجدت في العالم العربي خاصة بعد ظهور التلفزيون وانتشار الإذاعة وخضوعهما لإشراف الدولة، وقيامهما مع الصحافة بمهام الدعاية وحشد التأييد للنظم الحاكمة. ومع ذلك افتقد الاشقاء في المغرب في تلك السنوات الطريق وجعلوا الوزير المسئول عن الأمن الداخلي هو المسئول عن الإعلام. تذكرت هذا الموقف وتعليقات الزملاء في اتحاد الصحفيين العرب ونحن ندخل وزارة الداخلية للاجتماع بوزير الإعلام وأنا أقرأ أنباء اجتماعات شهدها مقر الجامعة العربية بالقاهرة لخبراء الأمن والإعلام معا، للإعداد لاجتماعات مشتركة لوزراء الداخلية والإعلام العرب تعقد لاحقا لبحث استراتيجيات مواجهة الإرهاب! ربنا يستر.. فالجو خانق، والأوضاع لا تحتمل المزيد من القيود والمطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى خطوات أخرى على طريق الديمقراطية هي وحدها القادرة على مواجهة الإرهاب. تجربتنا ـ في مصر ـ مع الإرهاب تستحق الدراسة. خاصة في تلك الفترة التي بدأت مع الخطأ المميت من السادات، حين أعتمد - بنصائح أمريكية وعربية - استراتيجية إطلاق الجماعات الإسلامية ودعمها لمواجهة الناصريين واليساريين لاسيما في جامعات مصر. وحين وزع رجاله - رغم تحذيرات الأمن - المطاوي والسكاكين على طلبة الجامعات، وقدموا الأموال وكل أنواع الدعم لهؤلاء الذين خرجوا بعد ذلك ليعلنوا تكفير المجتمع ويقرروا أنهم وحدهم المسلمون، وأنهم المكلفون بتغيير الأوضاع بالقوة، والجهاد ضد الحكام الكافرين الذين لا يقطعوا الأيدي ولا يفرضوا النقاب، والذين بلغ بهم الكفر والجاهلية أن سمحوا بالموسيقى وأنشأوا التلفزيون وحلقوا اللحى وانساقوا وراء البدع والضلالات!! واغتيل السادات بأيدي من أطلقهم، وخاضت مصر حربا طويلة وصعبة ضد هذا الإرهاب المستتر وراء الإسلام. ومن حادث المنصة في بداية الثمانينيات إلى حادث الأقصر في 97 دفعت مصر غاليا ثمن خطأ السادات وأخطاء التورط في سياسات أمريكية حاولت استغلال الإسلام في معركتها ضد الاتحاد السوفييتي، وشجعت على تجنيد عشرات الألوف من الشباب المسلم في الدول العربية والإسلامية للجهاد في أفغانستان. ثم تركتهم بعد هزيمة السوفييت ليعودوا لأوطانهم فيستأنفوا ضرب استقرار هذه الأوطان باسم الإسلام المفترى عليه وتحت رعاية «جهاد» يستبيح قتل الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير اقتصاديات الوطن من أجل الاستيلاء على الحكم وتعميم نموذج الجنة الإسلامية التي أقاموها في أفغانستان!! كانت معركة التسعينيات ضد هذا الهوس الذي ينسب نفسه زورا للإسلام معركة قاسية شهدت فيها مصر محاولات اغتيال عديدة لرسميين كبار كرئيس الوزراء ووزير الداخلية والاعلام ومشاهير في حجم نجيب محفوظ، وبلغت المحاولات ذروتها بمحاولة اغتيال الرئيس مبارك نفسه في أديس أبابا. وسقطت مناطق عديدة في صعيد مصر وأحياء في القاهرة نفسها تحت سيطرة الجماعات الإرهابية التي استهدفت تحويل مصر إلى جزائر أخرى تعيش نفس المأساة وتواجه نفس المحنة. مواجهة الارهاب لكن الأمور سارت في مصر على وجه آخر. السلطة حسمت قرارها بالمواجهة، وكل القوى السياسية وقفت معها في خندق التصدي لهذا الوباء. وكل التيارات الفكرية وجدت نفسها في معركة حياة أو موت لا مجال فيها للمهادنة. ونجحت مصر في معركتها، وهزمت الإرهاب الطامح إلى تدمير الوطن بأكمله.. ولكن الثمن لم يكن هينا! نعم.. لم يكن الثمن الذي دفعته مصر وهي تواجه الإرهاب قليلا. خاصة أن حبل الود كان موصولا بين هذه الجماعات الإرهابية وبين جماعات في الخارج توفر التمويل وقوى أجنبية توفر الدعم وتفتح أبواب الحوار مع هذه الجماعات تحسبا للمستقبل، وتوفر المأوى للقيادات الهاربة، وتتذكر قضية حقوق الإنسان فقط حين كانت تدافع عن هذه الجماعات الإرهابية ولا تسأل عن ضحاياها!! دفعت مصر ثمنا باهظا من اقتصادها، ولعل المثال البارز هنا ماحدث بعد حادث الأقصر من انهيار للسياحة التي تمثل عنصرا أساسيا في الدخل القومي بالإضافة إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الإنفاق على النواحي الأمنية. لكن الثمن السياسي كان أكثر فداحة. ففي ظل المواجهة القاسية مع الإرهاب تراجع الصراع السياسي وانهار الاداء الحزبي لدرجة مخيفة. وأصبح طبيعيا أن تستمر الأحكام العرفية وقانون الطوارئ، وأن تكثر القوانين الاستثنائية، وأن تزداد قوة السلطة التنفيذية على حساب باقي السلطات. تحولات اقتصادية وضاعف من خطورة الموقف، أن هذه الفترة شهدت تحولات اقتصادية كبيرة من خلال ما سمي بـ «عملية الإصلاح الاقتصادي» والتي استهدفت تقليص العجز في الموازنة والاتجاه إلى خصخصة القطاع العام وتنمية القطاع الخاص. وهي سياسات دفعت الجزء الأكبر من ثمنها الطبقات الفقيرة سواء من خلال ارتفاع الأسعار أو تقليص الخدمات الحكومية أو عدم خلق وظائف جديدة في ظل سياسات انكماشية أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة. ورغم أن السلطة لجأت لتطبيق هذه السياسات بالتقسيط وعلى فترات زمنية أطول من تلك التي كانت تطالب بها المنظمات الدولية، فإن آثار هذه السياسات كانت كبيرة. فإذا أضيفت إليها أعباء مواجهة الإرهاب وآثاره المدمرة على الاقتصاد والوطن، لأدركنا أن العبء الذي تحملته الطبقات الفقيرة بالذات كان كبيرا من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، ففي ظل استمرار الأوضاع الاستثنائية وتراجع العمل الحزبي، توقفت عمليات الإصلاح السياسي، وذهبت أدراج الرياح كل الدعوات التي كانت تؤكد ضرورة أن يترافق الإصلاح الاقتصادي بآخر سياسي وبتعديلات دستورية تعكس الأوضاع الجديدة. وعلى العكس من ذلك ظهرت نزعة من التشدد في مواجهة الاتجاهات الإصلاحية التي كانت تجد مواقع لها داخل الحكم كما في خارجه. وعندما نجح المتشددون في تمرير قانون الصحافة المشبوه في منتصف التسعينيات كان ذلك إنذارا للجميع بخطر التمادي في هذا الطريق. وبعد معركة رائعة شاركت فيها كل القوى السياسية والتيارات الفكرية تم إلغاء القانون.. وكان ذلك إيذانا بمرحلة جديدة في العمل الوطني. شهدت تلك المرحلة الجديدة تطورين مهمين: فمن ناحية كان هناك تراجع موجة الإرهاب واندحاره بعد المواجهة القاسية له. ومن ناحية أخرى كانت مرحلة مهمة من الإصلاح المالي قد تمت واصبح مطلوبا تمهيد السبيل لمرحلة جديدة من الانطلاق الاقتصادي. ورغم حادث الأقصر البشع فقد انتهى الأمر بإعلان الجماعات الإرهابية وقف نشاطها المسلح. ورغم تعثر خطوات الانطلاق الاقتصادي وتعثر بعض المشاريع فقد كان اليقين أن الفرصة مازالت مهيأة لهذا الانطلاق إذا أحسن الاعداد له. في هذه الفترة جاءت خطوة مهمة يفترض فيها أن تكون مدخلا لإصلاح سياسي وبداية لبعث الحيوية في الحياة الحزبية، فبفضل قانون جديد لإشراف قضائي على الانتخابات العامة شهدت مصر معركة انتخابية جيدة ظهر فيها ـ رغم أي سلبيات ـ الطموح العام لعملية تغيير سياسي تأخرت كثيرا. فقد كشفت الانتخابات أن الحزب الحاكم ـ مثل بقية الأحزاب ـ لا حول له ولا قوة، وأن الناس ملت من الوجوه التي لا تتغير في الحكومة والمعارضة على حد سواء، كما كشفت الانتخابات عن قصور الصيغة السياسية الحالية عن تلبية حاجات المجتمع. وأدرك الجميع أن هذه الانتخابات لابد أن تكون حدا فاصلا بين عهدين، وبداية لانطلاقة سياسية تفتح أبواب التحول الديمقراطي على مصراعيها. كان الجدل منذ الانتخابات الأخيرة وحتى الآن قائما بين دعاة التغيير حتى داخل الحزب الحاكم وبين المقاتلين من أجل إبقاء الأوضاع على ماهي عليه. بين المطالبين بإصلاح سياسي حقيقي وبين دعاة الديمقراطية بالجرعات وان ما لدينا يكفي وزيادة. بين المنادين بأن الصعوبات الاقتصادية لا تترك مجالا لتغييرات سياسية وبين الذين يرون أن الإصلاحات السياسية هي القادرة على مواجهة الصعوبات الاقتصادية بنجاح وهي القادرة على ضرب الفساد وحشد كل الإمكانيات لتحقيق النهضة. احداث 11 سبتمبر في هذه الظروف، تجيء أحداث 11 سبتمبر في أمريكا، وما تلاها من اعلان الحرب العالمية على الإرهاب. وصحت أمريكا وغيرها من الدول الأوروبية التي طالما احتضنت جماعات الإرهاب لتكون ورقة ضغط تستخدمها على الحكومات العربية لتحقيق ما تراه هذه الدول مصالح لها. وما يهمنا هنا أن الحرب التي أعلنتها أمريكا وحلفاؤها لم تقتصر على الإجراءات العسكرية ولا الحصار المالي، وإنما امتدت إلى استخدام كل الأسلحة في حرب ضد من تراهم أمريكا الخطر الأكبر على مستقبلها ومستقبل الغرب. وهكذا امتدت الحرب لتتوافق معها إجراءات وقوانين تطال الحريات وتضرب أسس المجتمع الديمقراطي وتفرض قيودا على الصحافة والإعلام. في أمريكا اعتقلت السلطات الآلاف وبقى العديد منهم رهن السجن حتى الآن دون محاكمة وفقا لقوانين صدرت بعد حادث أوكلاهوما. وقلدت بريطانيا ذلك بإصدار قانون يبيح الاعتقال دون محاكمة للأجانب. وفي الإعلام.. تم فصل وابعاد من أبدى تحفظا على إجراءات السلطات فيما تسميه الحرب ضد الإرهاب. ومنعت محطات التلفزيون والصحافة من اظهار وجهات النظر المخالفة أو عرض صور الضحايا المدنيين. وبدأ الحديث عن مخاوف حقيقية من مكارثية جديدة تسود الغرب وتضرب الديمقراطية في القلب، وتتخذ ما حدث وسيلة لفرض ديكتاتوريتها الفكرية والسياسية. وفي هذا المناخ المليء بالشكوك والمخاوف، تنتقل التساؤلات إلى العالم كله حول خطورة الأوضاع على الحريات في العالم كله، وهل ستتوسع القيود وتفرض الأوضاع الاستثنائية منطقها.. أم سيعبر العالم هذه الفترة بسرعة، ويدرك أن المواجهة الحقيقية للإرهاب لن تكون بالعدوان على حرية المواطن وحقوقه. وفي هذا المناخ يجتمع خبراء الإعلام والأمن العربي معا، ويجري الاعداد للقاءات تجمع الوزراء المختصين لبحث استراتيجيات مواجهة الإرهاب. وليس أمامنا الا أن نقول ربنا يستر.. فما عندنا من قوانين يكفي وزيادة، وما عندنا من قيود يفوق الحصر، وما قاسيناه من الإرهاب كثير، وما بقى منه في أرضنا سنقاتله حتى النهاية.. بالمزيد من العدل، والمزيد من الديمقراطية. ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية