عندما اندفع نحو ثلاثة آلاف متظاهر فلسطيني الاسبوع الماضي في جنين بالضفة الغربية وهاجموا مقرا امنيا تابعا للسلطة الفلسطينية احتجاجا على اعتقال احد عناصر تنظيم «الجهاد الاسلامي» كان هذا مثالا عمليا دراميا للفجوة المتسعة بين السلطة والقاعدة الشعبية من ناحية ودليلا على اضطراب سياسة السلطة. لقد عمدت السلطة الى اعتقال هذا الناشط المناضل ليس استنادا الى قناعة امنية مبنية على اعتبارات وطنية وانما ببساطة كاستجابة لطلب من الحكومة الاسرائيلية مصحوب بضغط من الولايات المتحدة ممثلة في فريق وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية المقيم في الارض المحتلة. ولأن المظاهرة الضخمة التي خرجت تطالب بإطلاق سراح الناشط وجنحت الى العنف مترجمة غضباً شعبيا عاما مثلت من ناحيتها ضغطا على السلطة من اتجاه اخر فإن قيادة قوات الامن الفلسطينية اضطرت الى اطلاق الناشط تخوفا من تصاعد المشهد. وهكذا تتأرجح السلطة ما بين ضغوط خارجية غير مقنعة وضغوط داخلية مشروعة مما يعكس ضعفاً ناشئاً عن اضطراب آلية صنع القرار الفلسطيني في المستوى الاعلى. فلماذا لا نرى مثل هذا الضعف والارتباك في آلية السلطة على الطرف الآخر ـ اي اسرائيل؟ هنا نأتي للفارق الجوهري بين طرفي الصراع وجدليته. فالصراع على صعيد العدو تقوم على ادارته سلطة منتخبة في اطار نظام ديمقراطي تعددي وبمقتضى ارادة القاعدة الشعبية. والقوة والثقة بالنفس التي تتمتع بها هذه السلطة مستمدة من اجماع شعبي. هي اذن سلطة لا تتردد في اتخاذ القرارات لأن توجهاتها لا تتناقض مع توجهات الشارع. أما بالنسبة للطرف الفلسطيني فإن الامر يختلف. وابتداء نقول ان هناك هياكل تنظيمية تحيط بالسلطة الوطنية الفلسطينية. ولكن رغم الطبيعة غير الديمقراطية لهذه الهياكل فإن وجودها من عدمها سيان. وإلا فمتى كان اخر اجتماع للمجلس التشريعي «البرلمان» واي مسائل بحث وأي قرارات اتخذ.. وما هو مصير تلك القرارات؟ وهل هنالك وجود حقيقي للمجلس الوطني الفلسطيني الذي من المفترض ان يكون برلمانا موازيا يجمع ممثلين لفلسطينيي الشتات مع فلسطينيي الداخل؟ وأين موقع منظمة التحرير الفلسطينية التي من المفترض ان تكون جهازا تنظيميا شعبيا يرسم السياسات العليا التي يجب ان تلتزم بها السلطة الفلسطينية واجهزتها التنفيذية؟ ان هذه الهياكل جميعا ليست على قيد الحياة رغم ان شهادة الوفاة لم تصدر رسميا. السلطة الوطنية هي الجهاز الهيكلي الوحيد الذي يفرض نفسه على الحياة اليومية في الارض المحتلة. لكنه جهاز ليس منتخبا. ولأنه ابتداء خرج الى حيز الوجود دون استشارة شعبية عريضة فإنه بعد ثماني سنوات من البقاء على قيد السلطة جرت خلالها مياه كثيرة تحت الجسر فإن الانفصام بينه وبين الشارع لم يعد قابلا للالتئام المؤقت. وفي الظروف النضالية الاستثنائية الحالية لن ينادي عاقل مخلص بترتيب عمليات انتخابية لبرلمان وسلطة. لكن هذه الظروف الاستثنائية نفسها تفرض بإلحاح ابتداع نوع من التقارب بين القاعدة والقمة. واذا اقتنعت القيادة الفلسطينية بمبدأ التغيير فإن هناك صيغة جاهزة. فالأعباء النضالية للمقاومة الشعبية في الشارع افرزت تجمعا شعبيا يضم كل فصائل المقاومة تحت اسم «اللجنة العليا للفصائل الوطنية والاسلامية». والصيغة المقترحة هي ان يتحول هذا التجمع الى برلمان تتقيد السلطة الوطنية كجهاز تنفيذي بسياساته وقراراته. ولنتعلم من عدونا.