خلال الاسبوع الماضي وجدت نفسي منغمسا في مجموعتين متوازيتين ولكنهما لا ينقصهما الترابط في العديد من الجوانب من المناقشات، فأنا من ناحية عضو في مجموعة العمل الخاصة بالدبلوماسية العامة التي شكلها المجلس الامريكي للعلاقات الخارجية، وهدف مجموعة العمل هذه هو تمحيص الكيفية التي يمكن بها للولايات المتحدة توصيل مخاوفها وقضيتها في مواجهة «الارهاب بشكل افضل الى شعوب العالمين العربي والاسلامي». وفي الوقت نفسه دعيت في الاسبوع الماضي الى العالم العربي للاسهام في مناقشتين منفصلتين حول الدبلوماسية العامة العربية. ومناط الاهتمام في هاتين المناقشتين هو كيفية تحسين فهم امريكا للعرب والمسلمين. وقد عجل بالجهود الامريكية والعربية في هذا الصدد وقوع الهجمات الارهابية في 11 سبتمبر، ومن المهم ان هذه الجهود تبذل لانه فيما يوجد دعاة ل«صدام الحضارات على الجانبين» فإن هذه المناقشات تجريها بشكل مستقل مجموعات بارزة للغاية من الجانبين العربي والامريكي، الامر الذي يشهد على الحقيقة القائلة ان التفاهم والتعاون المتبادلين تحقيقاً للاهداف تظل هدفا مشتركا. ومن المهم بصفة خاصة الاشارة الى ان هذه الجهود على الرغم من انها تبذل بصورة متزامنة هي جهود لايرتبط بعضها بالبعض الآخر. ويعد جهد الدبلوماسية الامريكية العامة نتاجاً فرعيا لمجموعة عمل اخرى منبثقة عن المجلس، اجتمعت لمناقشة العديد من جوانب الحرب على الارهاب، ويشمل التجمع الذي عكف على التركيز على الدبلوماسية العامة مسئولين حكوميين سابقين ومدراء تنفيذيين في مؤسسات كبرى واختصاصيين في الاعلام والعلاقات العامة ومثقفين من الامريكيين العرب والشرق اوسطيين. ومناقشات هذه المجموعة بدأت لتوها، ولكن من الجلي بالفعل ان هناك تخوفاً في صفوف الكثيرين المشاركين من ان الجهود الامريكية بمد اليد بالمعلومات الى العالمين العربي والاسلامي ليست كافية حتى اليوم. وهناك تخوف من اننا لا نعرف اللغات او الاهتمامات الحقيقية بالنسبة للشعوب المعنية، وان رسائلنا ومبعوثينا لم يلقوا آذانا صاغية في المنطقة. ويتمثل مايرز في هذه المناقشات والتوصيات المبكرة حتى الآن في الادراك الواضح لوجود مشكلة ورغبة اصيلة في معالجة هذه المشكلة. والشيء نفسه يمكن ان يقال عن الجلستين اللتين شاركت فيهما في العالم العربي، وفيهما ايضا كان المشاركون من الشخصيات البارزة في الحكومة وانشطة الاعمال والاعلام والمجال الاكاديمي، وفي هذه المناقشات العربية كذلك كان هناك تخوف سائد من ان جهود مد اليد بالمعلومات التي بذلت حتى الآن يعيبها قصور مؤلم، وكنتيجة لذلك لوحظ ان الامريكيين لا يفهمون العرب او المسلمين، او ان لديهم صوراً عنهم تحددت من خلال انماط سلبية. وقد قامت المناقشات العربية شأن نظيرتها في الولايات المتحدة على اساس من الاعتقاد بأن الفهم يمكن، بل وفي حقيقة الامر يتحتم ان يتم تحقيقه للوصول الى اهداف مشتركة. والامر المثير للاهتمام كذلك هو ان التوصيات التي اسفرت عنها المناقشات العربية قد تركزت كذلك حول رسائل ومبعوثين الهدف من ورائهم هو التوصل الى فهم افضل. ومن النتائج المثيرة للقلق، بالطبع، التي ترتبت على احداث الحادي عشر من سبتمبر ان كلا العالمين قد استيقظ على الواقع المحزن الذي مفاده «اننا لا يفهم احدنا الآخر» وبينما يطرح الامريكيون هذا السؤال: «لماذا يكرهوننا؟» وكذلك «لماذا لا يمكنهم فهم ما يعنيه الحادي عشر من سبتمبر بالنسبة لنا؟» فإن العرب يتساءلون: «لماذا لا يفهمون ما تم اقترافه بحقنا؟» أو «لماذا لا يستطيعون احترام انسانيتنا وحقوقنا؟». وهذا كله يثير الاضطراب بصفة خاصة بطرق عديدة لان عالمينا مرتبط احدهما مع الآخر عن كثب، والامر جدير بتحمل عناء تكراره حيث نشير الى ان اكثر من مليون عربي قد هاجروا الى امريكا واصبحوا جزءاً منها، وهناك مئات الالوف من العرب درسوا في الولايات المتحدة، واستثمر العرب استثمارات مكثفة في العديد من القطاعات في انشطة الاعمال الامريكية، وبالمثل استثمرت امريكا بكثافة في الشرق الاوسط وهناك مئات الالوف من الامريكيين الذين عملوا وخدموا ودافعوا عن المنطقة. وعلى الرغم من هذا ومع وجود هذا كله يأتي الادراك المفاجيء اننا لا نفهم بعضنا بعضا. من المؤكد ان جانباً من المشكلة يضرب جذوره في السياسة، ومن المهم بالنسبة للعرب والمسلمين ان يعرفوا ان العديد ممن شاركوا في المناقشات التي جرت في الولايات المتحدة يتفهمون ان السياسات الامريكية حيال فلسطين وقضايا حقوق الانسان قد ساهمت في اقامة سور فاصل بين عالمينا. لكن هناك مشكلة اكثر عمومية، فقد ملنا نحن العرب والامريكيين الى ان نرى ونحكم احدنا على الآخر بغير ابعاد وبعيداً عن هويتنا كبشر، ونحن لا نتفهم عالم بعضنا البعض ولا ثقافات ولا اديان ولا تواريخ بعضنا البعض. وهكذا فإن الكثير من العرب لا يتفهمون الطابع الهائل لصدمة الحادي عشر من سبتمبر ولا الخوف ولا الفزع ولا الغضب الذي ولدته هذه الصدمة، والكثير من الامريكيين لا يتفهمون الخوف ولا الفزع ولا الغضب الذي يشعر به العرب ازاء المأساة الانسانية التي تجري في فلسطين. اننا لا نتفهم ألم ولا مخاوف احدنا الآخر ولا نتفهم كذلك الاجراءات التي يلجأ اليها كل منا، فبينما لايزال بعض العرب على سبيل المثال لايزالون يعتقدون ان شراء بعض اجهزة الاعلام الامريكية سيكون حلا لقضية تثقيف الامريكيين، فإن الامريكيين يقومون بعلاج سريع عن طريق ارسال دفعة من المسئولين الامريكيين ليظهروا عبر شبكة او محطة تلفزيونية عربية واحدة او وضع خطط لافتتاح نظير امريكي لهيئة الاذاعة البريطانية. ان المشكلة ابعد غورا، وبالتالي فإن الحل يقتضي انغماساً اكثر عمقاً، والنبأ الطيب بالنسبة لمن يقدرون الشراكة الامريكية العربية ويتفهمون مدى اهمية تعزيز عقدة العلاقات من اجل انتزاع جذور الارهاب ومخاطبة قضايا العنف وعدم الاستقرار هو اين المشاركون في كل من المناقشات العربية والامريكية الذين يتفهمون الحاجة الى التعمق؟ والامر كما اشار مشارك عربي كبير في المناقشات التي حضرتها: «ربما قد لا نستطيع نحن العرب والمسلمين جعل الامريكيين يفهموننا إلا بعد ان نفهم امريكا وشعبها وان الامريكيين لن يستطيعوا جعلنا نفهمهم إلا بعد ان يفهمونا اولا». وفي ضوء استلهام هذه الملاحظة عدت الى امريكا عاقدا العزم على ان اضم معاً هذه المناقشات العربية والامريكية المنفصلة وان كانت متوازية. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي