من الاشكاليات التي تواجه الفكر السياسي العربي المعاصر افتقاد العمل العربي المشترك لرؤية موحدة ودائمة تجعل التضامن القومي يحقق أهدافه في مواجهة التحديات التي تواجه الأمة العربية. ومن الملاحظ أن العمل العربي الثنائي والجماعي لا يتعدى كونه (رد فعل) للأحداث ولم يكن بأي حال من الأحوال (فعلا) مؤثرا في مجريات الأمور على الأقل بالنسبة للصراع مع اسرائيل. ومما لاشك فيه أن اسرائيل قد استفادت من هذا الموقف بل يمكن القول انها لعبت على ما يمكن تسميته بالتناقضات العربية ـ العربية للاخلال بمعادلة القوة وجعلها تميل لصالح اسرائيل وأعتقد أن هذا أتاح الفرصة أيضا للفكر الصهيوني لكي يبلور مشروعه الذي يستهدف بالدرجة الأولى على المستوى الاستراتيجي (غير المنظور) القضاء على الأمة العربية!! وقد أينع هذا المشروع نتيجة استغلاله حالة التشرذم التي وصل اليها العرب في العقدين الأخيرين من القرن العشرين!! واذا كان المشروع الصهيوني منذ إنشاء ما يسمى بدولة اسرائيل في عام 1948 قد تمحور حول اقامة دولة لليهود من النيل الى الفرات فإنه وفي ظل الحالة المشار اليها أصبح يستهدف توسيع النفوذ والمصالح الاسرائيلية (الصهيونية) من الخليج الى المحيط!! وفي تصوري أن الفكر والعقل العربي لا يجهل الخطر المحدق بالأمة لكنه ـ في ظل متغيرات جديدة ـ لا يقدر مداه بالنظر الى حالة الأمة الحالية وربما ساعد على هذا ظهور تيار سياسي على الساحة العربية فصل بين اسرائيل (ككيان) والصهيونية (كفكر) عنصري له مشروعه الكبير الطموح. وعليه استغلت اسرائيل أجواء السلام والتسوية التي كانت سائدة في وقت من الأوقات لتجميل وجهها القبيح أمام الرأي العام العربي خاصة والدولي عامة حتى جاء ارييل شارون على رأس السلطة في اسرائيل ولعل من (محاسن) شارون أنه أسقط القناع المزيف المتجمل للدولة العبرية ودون أن يدري أعاد اسرائيل الى وضعها الطبيعي والحقيقي (دولة ارهابية قائمة على العدوان والتوسع الاستيطاني) ويحضرني في هذا السياق أن المشاركين العرب والمسلمين في مؤتمر (دربان) الأخير لمكافحة التمييز العنصري قد نجحوا الى حد كبير في تجسيد الصورة الحقيقية للكيان الصهيوني رغم معارضة وانسحاب الولايات المتحدة وكل من يدور في فلكها!! وفي الوقت نفسه كشف مؤتمر دربان حقيقة أخرى مهمة وهي أن المشروع الصهيوني مستمر ومحمي من قبل قوى فاعلة في الجماعة الدولية!! الالتزام الفكري على أي حال السؤال الذي يفرض نفسه على بساط البحث: كيف يواجه العرب المشروع الصهيوني؟! باختصار إن مواجهة المشروع الصهيوني تتطلب وجود مشروع عربي مقابل واضح في وسائله وأدواته وأهدافه، تلتزم به كل الدول العربية الاثنتين والعشرين (قولا وفعلا) ويجري تنفيذه على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والدفاعية والاعلامية. والمعروف أن اسرائيل وقوى الصهيونية العالمية هي التي تتبنى المشروع الصهيوني وأحسب أن جامعة الدول العربية (وهي ميزة تفتقدها اسرائيل) هي التي تتبنى المشروع القومي العربي .. ولكن أي جامعة عربية؟! بالطبع لا معنى لأي مشروع قومي في ظل جامعة مفككة الأوصال وفي إطار تناقضات سياسية واقتصادية بين الدول العربية لهذا لابد من اعادة النظر في دور الجامعة العربية بمعنى آخر يجب اعادة هيكلتها من جديد وتفعيل دورها في إمكانية لم الشمل العربي ولعلي أتفق مع عبارة قالها الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في مقابلة تلفزيونية مع إحدى المحطات الفضائية العربية إن نجاح التحرك العربي مرتبط باعادة ترتيب البيت العربي!! وأضيف من جهتي على قول الرئيس صالح إن وجود التزام فكري عربي سوف يسهل عملية التوحد القومي. بعبارة أخرى بعث الثقة من جديد في (الهوية العربية) من خلال عملية إحياء فكرة (القومية العربية) وبدون هذا الاحياء لا تضامن حقيقيا يحقق ترتيبا للبيت ويعطي فاعلية ودورا عمليا لجامعة الدول العربية في تصريف الشئون القومية!! إن القومية العربية هي نقيض لفكرة الانعزالية والتشتت القطري (بضم القاف) وفي اعتقادي إنها ميزة للعرب تجعلهم مختلفين عن غيرهم من الأمم فعلى سبيل المثال يعد الاتحاد الأوروبي خليطا من قوميات وأعراق آرية وسلافية وأنجلوسكسونية وغيرها ومزيجا من لغات وثقافات مختلفة. ورغم ذلك حدث التوحد الاقتصادي ونجح التنسيق السياسي بين دوله!! في المقابل جمعت الأمة العربية عناصر الاتفاق الموجودة في اللغة العربية والدين الاسلامي والحضارات ذات الأصل الواحد وترابط أكثر من مئتي مليون عربي فيما نطلق عليه بالمصير الواحد الذي يحتم التوحد من أجل مواجهة تحديات المستقبل ورغم ذلك لم نر اتحادا بين الدول العربية يأتي على غرار الاتحاد بين الدول الأوروبية!! ولهذا فان ثمة علاقة مهمة بين مفهوم القومية العربية ونجاح أي تحرك عربي جماعي والعكس صحيح، عدم الاقتناع بالقومية العربية (فكرة ومفهوما) يفقد أي تحرك عربي جماعي الفاعلية والقدرة على بلوغ أهدافه. محاور اساسية ويصبح الأمر إذن في غاية الأهمية والخطورة عندما نتحدث عن مواجهة اسرائيل لأنها (أي القومية العربية وعلى النحو المتقدم) تعد السياج الذي يحمي العرب من الوقوع في شراك المشروع الصهيوني، وأن هذا المشروع لن يقدر له النجاح اذا ما واجهته أمة عربية قوية يجمعها فكر مشترك وغاية واحدة وهو ما نطلق عليه المشروع القومي العربي، وهكذا يمكن اطلاق القوة العربية من عقالها لتبدو متجسدة في ستة من محاور العمل العربي المشترك. أولا: المحور السياسي المرتبط بالنظام الاقليمي العربي وهو نظام قومي تعبر عنه جامعة الدول العربية من خلال تكريس ارادة جماعية عربية تعطي القدرة لمراكز صنع واتخاذ القرار على اختيار القرارات السليمة التي تحرر العمل العربي من القيود المعطلة له ونذكر أن مؤسسة القمة العربية في ظل دورية انعقادها اذا ما امتلكت ارادة فاعلة سوف تقود النظام السياسي والاقتصادي العربي الى آفاق أرحب وترتقي الى مستوى التحدي. ثانيا: المحور الاقتصادي من خلال انشاء السوق المشتركة التي تجابه عولمة الاقتصاد الدولي وتمنع الاختراق الاسرائيلي للكيانات الاقتصادية العربية، ولاشك أن الخطوة الأولى تبقى في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي وتحويل الاستثمارات العربية الى الأرض العربية. ثالثا: المحور الأمني والدفاعي لدى العرب اتفاقية للدفاع المشترك تعتبر جزءا من ميثاق جامعة الدول العربية، ورغم ذلك هناك تعطيل لهذه الاتفاقية التي نجد العرب اليوم أحوج اليها من أي وقت مضى بعد أن أصبح الأمن القومي العربي مهددا من قبل اسرائيل التي تحاول ضربه في مقتل بشتى الطرق ومنها تصفية الكيان الفلسطيني ومن الضروري التئام جراح الفرقة العربية التي مثلها قبل أحد عشر عاما غزو العراق (العربية) للكويت (العربية) في ظل شماتة اسرائيلية. رابعا: المحور الاعلامي ردود فعل بعض الدول الأوروبية لما حدث في مؤتمر دربان من مناهضة للعنصرية الصهيونية يؤكد فشل رسالة الاعلام العربي في الوصول الصحيح الى الرأي العام الأوروبي المخدوع بالدعاية الصهيونية وعليه يصبح من الضروري أن تعاد فكرة أو صياغة الرسالة الاعلامية لوسائل الدعاية العربية الموجهة الى غير الناطقين باللغة العربية في عصر السموات المفتوحة والثورة المعلوماتية. وعلى هذا النحو تبرز أهمية الاعلام القومي في مواجهة الاعلام الصهيوني وسوف يساعده كثيرا إنشاء مراكز عربية لقياس اتجاهات الرأي العام. خامسا: المحور الثقافي والتعليمي وهنا يأتي دور التنشئة السياسية للأجيال العربية الجديدة التي أصبحت ثقافة السلام مع العدو الصهيوني جزءا من تكوينها الفكري، الأمر الذي أدى الى نشوء حالة من الاغتراب النفسي لدى الكثيرين من النشء من جراء وجود مناهج وسياسات تعليمية البعض منها يتناقض مع الواقع خاصة فيما يتعلق باسرائيل بعبارة أخرى ان الشباب العربي في حاجة ماسة الى ديمقراطية ثقافية تبني نسقه القيمي الذي يقوده الى كل ما يحلم به من آمال وتطلعات وتبعده عن الأفكار المشوشة والمغلوطة وكل ما يقال عن الثقافة يقال عن الفنون بكل أشكالها. سادسا: المحور المستقبلي أو الاستراتيجي إذا كان من حق الشعوب العربية أن تتطلع الى المستقبل بنظرة متفائلة رغم عوامل الاحباط التي يحاول البعض تكريسها وتوجيهها لتدمير عزيمة الأمة وبث روح اليأس®. فإن وجود مشروع قومي شامل يشكل استراتيجية للمستقبل العربي ضرورة ملحة يجب حشد الجهود من أجلها عبر كل المؤسسات العربية الشعبية والحكومية. ويبقى سؤال .. لماذا يتوحد الصهاينة أمام أي خطر قومي يواجه كيانهم ويختلف العرب أمام المؤتمرات التي تراهن على حاضرهم ومستقبلهم؟ اجابة التساؤل تتحدد في أن هناك التزاما بعقيدتهم السياسية المتمثلة في الصهيونية، اما نحن العرب فقد أوصلنا البعض الى مرحلة تنظر الى القومية العربية على أنها نوع من الترف الفكري أو حالة ذهنية لا أكثر فرضتها ظروف تاريخية، بل ينظر هذا البعض الى القومية العربية على أنها سبب كل الكوارث التي لحقت بالأمة في النصف الثاني من القرن الماضي وتناسوا التخلف والتفرق والانعزالية وأعداء الأمة. عموما هذا التناقض في النظرة الى (الصهيونية) من قبل اليهود و(القومية العربية) من قبل بعض العرب جعل المشروع الصهيوني أكثر وضوحا في وسائله وأهدافه المنظورة على أقل تقدير. بينما تحيط بالمشروع القومي العربي هالة من عدم الوضوح المتعمد، رغم أن ما عرضنا له في سياق هذا التحليل أوضح أن هذا المشروع موجود وكل ما ينقص العرب هو التمسك بهويتهم ومعرفة كيف يتحركون في الاتجاه الصحيح ولا يتمسكون بقول يشاع عنهم (إنهم يتفقون على الإختلاف ويختلفون على كيفية عدم الاتفاق). ـ كاتب واعلامي مصري