إقرأ الخطاب السياسي الأمريكي جيداً لتعرف ما ينتظرك وما ينتظر سواك ممن لا يطأطئون الرؤوس للصهيوني والأمريكي معاً، ولا تتوقف في قراءتك عند ما يقوله الرئيس بوش وكولن باول وكوندوليزا رايس والمستشار الإعلامي الجديد كريستوفر روس بل محّص أيضاً فيما يقوله توني بلير وحتى بيرلوسكوني، فهم يشنون حرباً «للحفاظ على التفوق الغربي. واقرأ تحركاتهم وما ينطوي عليه خطابهم من ترويج لمشاريع قديمة تأتيك بأثواب جديدة تهدف إلى تصفية القضية الرئيسة للأمة العربية، قضية فلسطين، تصفية نهائية: على مجمل الدول العربية أن تقدم «لإسرائيل» ضمانات أمنية جماعية مقابل إقامة دولة فلسطينية؟! واقرأ تفاصيل عن تلك الدولة المنزوعة السلاح المحرومة من حدود وسيادة، وتوقف عند سمائها المفتوحة بشكل كامل وشامل للطيران الصهيوني ووضع مستعمراته فيها وموانئها ومنافذ حدودها التي يشرف عليها العدو وعند حرمان تلك الدولة من أي حق في إعطاء الفلسطينيين خارج دائرة الاحتلال حق العودة إلى فلسطين التي تمثلها تلك الدولة.. واقرأ مقايضة جديدة يروّج لها أيضاً أمام خطاب باول في الأمم المتحدة ـ الاثنين 19 ـ نوفمبر 2001، مقايضة تقول ما معناه: من حق «إسرائيل» أن تبقى وأن تأمن وألا تغرق بعودة الفلسطينيين وفق القرار 194 ولذلك ينبغي مقايضة اليهود المقيمين في مستوطنات أقيمت في الضفة الغربية وغزة منذ احتلالهما عام 1967 بفلسطينيين نزحوا عن فلسطين في تلك الحرب؟! واقرأ قائمة الإرهاب الأمريكية الزاحفة على كل أشكال المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني وتهديد واضعي القائمة الموجه إلى كل من يدعم الانتفاضة والمقاومة ويؤوي عناصرهما بوصفه يرعى الإرهاب، فلا يجوز حسب رايس «أن يساعدنا أحد في موضوع القاعدة وأن يحتضن حزب الله في الوقت ذاته أو يحتضن حماس فهذا لا يمكن قبوله». إن الأمريكي لا يفرق، ولم يفرق سابقاً، ولا يريد أن يفرق لاحقاً بين أية مقاومة للمحتل الصهيوني على الخصوص وبين الإرهاب، ويريد أن يجر الدول كلها إلى هذه الدائرة بسطوته في مجلس الأمن الدولي وبسطوة قرار المجلس رقم 1373 متغاضياً عن حقيقة أنه يفرض تعريفه وتفسيره الخاصين بالإرهاب وتصنيفاته وتفسيراته للإرهاب وفق مصالحه وخططه الاستراتيجية ورؤيته للعالم ليجعل العالم كله يسير وفق منظومات قيمه التي يجاهر بأنها ينبغي أن تسود العالم، وينذر الدول بتهديد ظاهر وباطن بأن تلتزم بقرارات مجلس الأمن وفق مصالحه ورؤاه: «ينبغي على أي مجموعة من الدول ألا تخطئ الحساب حول نوايا أمريكا، فحيثما توجد جماعات إرهابية ذات باع عالمي، فإن الولايات المتحدة سوف تتصيدها». إقرأ كل ذلك وضَعْ في الاعتبار كلاماً مهماً ملغِزاً للرئيس جورج بوش في لقائه مع رئيس وزراء الهند في التاسع من شهر نوفمبر 2001 حيث قال: «إن حكومتي ملتزمة بتطوير علاقة مختلفة أساساً مع الهند تقوم على الثقة وعلى القيم المشتركة.. إننا سنحارب الإرهاب سوية» وأضاف الرئيس بوش «وهو مدرك لما أفهمه أنا، وهو أننا فقط في مستهل الحرب على الإرهاب في أفغانستان»، وهذه حرب من نوع مختلف وهي حرب بين أسلحة ذات تكنولوجيا متفوقة وأناس يمتطون الخيل». ولكي يتكامل إطار الصورة لديك إقرأ بإمعان ما أسفر عنه المؤتمر الرابع لمنظمة التجارة العالمية من نتائج وركز على معانٍ وأبعاد ودلالات انضمام الصين إلى المنظمة أو قبولها عضواً فيها وما يسجله ذلك في تاريخ الصراع الأيديولوجي والاقتصادي -السياسي من نتائج شبه نهائية للحرب الباردة وعقودها الماضية، تلك التي أعقبت حرباً ساخنة وتخللتها حروب بالوكالة ولحظات دموية ساخنة جداً، ولا تنسَ أن تأخذ بالاعتبار انضمام تايوان إلى المنظمة في المؤتمر ذاته الذي سجل انضمام الصين إليها. وما يدفعني إلى الإلحاح على قراءة ذلك كله هو اقتناعي بأن الإدارة الأمريكية تخفي أكثر مما تظهر من مخططاتها وبرامجها وأهدافها التي بدأتها في أفغانستان، وتبرمج أداءها العسكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي بالتنسيق مع تحالفاتها، ولا أقول تحالفها، لكي تصل إلى هدف رئيس في هذه المرحلة من سيطرتها على العالم. لم يزّل لسان الرئيس جورج بوش في الأيام الأولى التي تحدث فيها عن الحرب، ولكنه أسرع في الإفصاح عن طفرة الأعماق والثقافة العدوانية والنزعة العنصرية العتيقة الكامنة في الأمريكي ذي الرسالة العالمية الذي أباد الهنود الحمر واستخدم القنبلة الذرية، وإشارتي إلى هذا، بعد ما أبدى من تفسيرات تهدف إلى تخفيض تصريحات الرئيس بوش على المسلمين في ذروة الهيجان الغربي ضد الإسلام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أملاها قول الرئيس جورج بوش في الثامن من شهر نوفمبر الحالي في الكلمة التي ألقاها أمام نحو 5000 شخص من الأمريكيين معظمهم من العاملين في الخدمات العامة، والصحية، والشرطة والقوات المسلحة حيث قال: «فنحن هدف أعداء يتباهون برغبتهم في القتل.. قتل جميع الأمريكيين، قتل جميع اليهود، قتل جميع المسيحيين.. لقد شهدنا هذا الضرب من الكراهية من قبل.. والرد الممكن عليه هو مواجهته وإلحاق الهزيمة به». فحين يستثير مشاعر أمريكيين ويهود ومسيحيين في العالم كله فهل يريد أن يوجه هؤلاء جميعاً مع التحالفات الأخرى التي كونها لكي يهزم ابن لادن وتنظيم القاعدة فقط أولئك الذين «يمتطون الخيل» أم تراه يعد النفوس والتحالفات وينصب الفخاخ لما هو أوسع، حيث بدأ إعلامه يغري بالعراق ويتهمه بمتابعة تصنيع الأسلحة البيولوجية وجرثومة الجدري على الخصوص، وتؤكد مستشارته كوندوليزا رايس في 8/11/2001 أن العراق لا يزال يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية ولمصالح المنطقة، ولم تكف رموز سياسته عن توسيع دائرة من يشملهم الاتهام الأمريكي بالإرهاب من خلال قائمة وزارة الخارجية، ومن يطلب منهم الخضوع للأحكام والتفسيرات والرؤى الأمريكية الصهيونية حول الإرهاب. لقد تملص رؤساء أوروبيون كانوا ينطقون باسم التحالف ويؤكدون أن الحرب لن تمتد خارج أفغانستان ولن تتوسع ضد آخرين، تملصوا من أقوالهم تلك بعد أن وسعت الإدارة الأمريكية دائرة الاتهام تلك وألحقت ملاحق بالمنظمات والجهات التي يراها الكيان الصهيوني إرهابية فتدرجها الإدارة الأمريكية على قوائمها، وطالبت حكومات عربية منها لبنان بتجميد حسابات حزب الله وحماس بوصفهما منظمتين إرهابيتين؟! إن الخطوات الأمريكية صهيونية والعكس صحيح ولن يجدي أحد أن يتبرع بدمه من أجل منكوبي نيويورك أو أن يتعلق بكف بيريز ويركض وراء مصافحة من بوش في أروقة دولية حتى ينجو من الحكم الأمريكي عليه أو على نضال شعبه أو على أمته ودينه إن اقتضى الأمر بأنهما إرهابيان، لا سيما حينما تردد الأمة أن حقها هو أن تحرر المحتل من أرضها، ومن حق شعبها أن يقاوم الصهيوني المحتل وأن يحمي مقدساته، فالصهيوني بنظر الأمريكي فوق القانون وفوق الآخرين، وكل ما يقوم به من إرهاب وقتل وإبادة جماعية هو نوع من الرحمة للغوييم ؟. وقرارات مجلس الأمن الدولي التي صوّت عليها الأمريكي أو لم يستعمل ضدها حق النقض «الفيتو» واكتفى بالامتناع عن التصويت- وبالمناسبة فقد استعملت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض أكثر من أربعين مرة منذ عام 1970 ضد مشاريع قرارات تنال من «إسرائيل» بلغت أكثر من 80 مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي - تلك القرارات لم تُنفذ ولم تُحترم ولم يتم الضغط لتنفيذها، وتمت انتقائية لبعض القرارات لتكون مرجعية في مدريد أو في سواها مثل القرار 242 و 338 لأنها تعتمد على التفاوض المطاطي حين استبعدت قرارات ذات أهمية مرجعية قصوى مثل القرار 181 لعام 1947 والقرار 194 لعام 1948. وتم التغاضي كلياً عن قرارات ذات أثر حاسم في حل كثير من المشكلات المعقدة في المنطقة لو أن الإدارة الأمريكية اهتمت بتنفيذها، وأذكر منها: القرار 471 تاريخ 5 يونيو 1980 والقرار رقم 476 تاريخ 30 يونيو 1980 اللذين يعتبر فيها مجلس الأمن أن بناء المستوطنات في الأرض المحتلة عمل غير قانوني. القرار 465 في 1 مارس 1980 والقرار رقم 478 في 20 أغسطس 1980 اللذين يعتبر فيهما المجلس أن ضم شرقي القدس غير ذي مفعول قانوني. القرار رقم 497 في 17 ديسمبر 1981 الذي اعتبر فيه المجلس ضم الجولان غير ذي مفعول قانوني. القرار رقم 490 في 21 يوليو 1981 الذي اعتبر فيه المجلس احتلال «إسرائيل» غير المباشر لجنوب لبنان غير ذي مفعول قانوني وأمر «إسرائيل» بالانسحاب منه. إن الإدارة الأمريكية لم تعد ترى سوى نفسها ومصالحها وقراراتها، ولما كانت محكومة على نحو ما بالإرادة الصهيونية ولا تكاد تتخلص من قبضتها، ولما كانت أيضاً مندفعة وراء مصالح مادية كاسحة «نحو السيطرة على العالم، وإقامة المشروع الصهيوني في فلسطين وتنفيذ ما تسميه التزاماً أخلاقياً» بتفوق الكيان الصهيوني عسكرياً على العرب والمسلمين وبحماية أمنه ورفاهية شعبه، فإنها لا يمكن أن ترى حقاً أو عدلاً خارج هذه الرؤية وهذا الالتزام ما لم تتغير معطيات مؤثرة جذرياً في الحسابات والتوازنات والمصالح، ولا يبدو في الأفق العربي والإسلامي والدولي أن مثل هذه المعطيات المفضية إلى متغيرات قد حان وقتها أو أنها دخلت في الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية بشكل مؤثر. فقراءة ما سبقت الإشارة إليه مضافاً إليها الاتفاق الأخير مع روسيا الاتحادية والتنسيق المتنامي في معسكرات متآلفة على مصالح مشتركة وضد أهداف مشتركة تجعلنا ندعو للحذر الشديد من توجهات عدوانية وتهديدات متنامية ومشاريع تصفوية تستهدف بلداناً عربية وإسلامية، وقضايا عربية مصيرية على رأسها قضية فلسطين التي ينتظر أن يقدم كولن باول مشروع رؤية جديدة لحلها لن يخرج بأي حال عن صيغة ميتشل - تينيت المستندة إلى أوسلو، وعما بدأ التبشير به عربياً من ضمان جماعي عربي لأمن «إسرائيل»، التي تهدد العرب كلهم، ومقايضة على حق الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم والسيادة في الوطن الأصلي فلسطين. لقد عودتنا السنوات المرة والأحداث المؤلمة والمواقف المشؤومة للاستعمار وللإدارة الأمريكية التي تزعم أنها مع الحرية وضد الإرهاب وتمارس عملية الهيمنة ونوعاً من الاستعمار ورعاية الإرهاب، لقد عودنا كل ذلك الغدر الأمريكي خصوصاً والغربي عموماً بنا وبقضايانا على الشك وعدم الاطمئنان، ونحن في هذه الظروف ينبغي أن نكون أشد يقظة وحذراً وعدم اطمئنان، وأكثر قرباً مما يقتضيه المنطق والدفاع عن الحق والوجود وما يوفر الحد الأدنى من مقومات ذلك: وحدة الموقف ووحدة الهدف وامتلاك مقومات قوة منها التحالفات الدولية على أسس المصالح المتبادلة، لكي نعطي لحقنا نوعاً من القوة ولوجودنا نوعاً من الحماية ولشعبنا نوعاً من الأمن والكرامة. إن الأمريكي ذو مشروع صهيوني بالعقيدة والمصلحة، وهو لا يوثق به أبداً من خلال التجارب الماضية ومن خلال قراءة ما فرضه على العرب والأمم المتحدة وأوروبا وروسيا الاتحادية من رعاية منفردة «لعملية السلام» ومتفردة في انحيازها وازدواجية معاييرها وأحكامها. إن الأمريكي لا يوثق به ما دام على هذا النحو من التورم وإدعاء العصمة وفرض حقائق القوة وازدراء الحقائق والأخلاق وتشويه صورة القيم والأمم والعقائد والثقافات ونضال الشعوب المشروع ضد الاحتلال والعنصرية والعبودية وأنواع الاستغلال والقهر والظلم والاستعمار. والأشد خطورة علينا من عدو عنصري محتل ذي حليف- شريك له في العدوان والعنصرية وفرض حقائق القوة ومنطقها، موال تابع له، عميل أو شبه عميل، بوق أو نافخ نار، يروج له ولمشاريعه وخططه وأحكامه، ويركض في أرجاء الديار منذراً بالويل إذا لم نقبل بهذا الكيل، وتزداد الخطورة عندما تتضافر جهود سياسية وإعلامية وثقافية عربية لإحداث اختراقات في حصن الأمة، وللفتك بإرادتها وثقافتها لتُهزَم من الداخل قبل أن تحين ساعة المواجهة وقبل أن تدخلها. إننا مقبلون على الأصعب من الأيام والمواجهات والتحديات، ونحتاج إلى الأشمل والأعمق من الرأي والحكمة والرؤية، كما نحتاج إلى الوعي المعرفي، والذاكرة التي تجعل الوقائع والمعارف في ساحة الوعي عند اتخاذ القرار أو تحديد الموقف، ونحن بحاجة أشد إلى أن نتضامن ضد غربان الداخل وضد الأعداء وتحالفاتهم التي يقودها قوي بغيض لفرض سيطرة الشر باسم محاربة الشر، ولاستشراء الإرهاب باسم مكافحة الإرهاب، إننا بحاجة إلى أنفسنا كما لم يكن عليه الأمر من قبل.